تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 178

مساهمون:

ص١٧٨

[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 73 ]

لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 73 ) الشرح :
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ :
هذا قول المرقوسيّة ، والنّسطورية من النّصارى ، ولتفسير قولهم طريقان : أحدهما : وهو قول أكثر المفسّرين : أنّهم أرادوا بهذه المقالة : أنّ اللّه ، ومريم ، وعيسى آلهة ثلاثة ، وأنّ الإلهية مشتركة بينهم ، وأنّ كلّ واحد منهم إله ، ويبين ذلك قوله تعالى للمسيح في آخر هذه السّورة :
أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ،
فقوله :
ثالِثُ ثَلاثَةٍ
فيه إضمار ، تقديره : إنّ اللّه أحد ثلاثة آلهة ، أو : واحد من ثلاثة آلهة . قال الواحدي - رحمه اللّه تعالى - : ولا يكفر من يقول : إنّ اللّه ثالث ثلاثة ، ولم يرد به : أنّه ثالث ثلاث آلهة ؛ لأنّه ما من اثنين إلا واللّه ثالثهما بالعلم ، ويدلّ عليه قوله تعالى في سورة ( المجادلة ) :
ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ ،
وقد قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لأبي بكر - رضي اللّه عنه - : « ما ظنّك باثنين اللّه ثالثهما ؟ ! » . والطريق الثاني : أنّ المتكلّمين حكوا عن النّصارى : أنّهم يقولون : إنّه جوهر واحد ثلاثة أقانيم : أب ، وابن ، وروح القدس ، وهذه الثلاثة إله واحد ، كما أنّ الشّمس اسم يتناول القرص ، والشّعاع ، والحرارة ، وعنوا بالأب : الذّات ، وبابن : الكلمة ، وبالرّوح : الحياة ، وأثبتوا الذّات ، والكلمة ، والحياة ، وقالوا : إنّ الكلمة الّتي هي كلام اللّه اختلطت بجسد عيسى اختلاط الماء باللّبن ، وزعموا أنّ الأب إله ، والابن إله ، والرّوح إله ، والكلّ واحد . واعلم : أنّ هذا الكلام معلوم البطلان ببديهة العقل ، فإنّ الثلاثة لا تكون واحدا ، والواحد لا يكون ثلاثة ، ولا ترى في الدنيا مقالة أشدّ فسادا ، ولا أظهر بطلانا من مقالة النّصارى . انتهى . خازن . أقول : أفسد من عقيدة النصارى عقائد الوثنيّين . وانظر ما ذكرته في الآية رقم [ 171 ] من سورة ( النّساء ) .
وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ
أي : لا يوجد في الكون إله يستحقّ العبادة من حيث هو الفاعل المختار إلا إله واحد منفرد بالوحدانيّة ، والقدم ، والبقاء ، وهو اللّه تعالى لا شريك له ، ولا والد ، ولا ولد له ، ولا صاحبة . قال تعالى في سورة ( البقرة ) رقم [ 163 ] :
وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ
انظر شرحها هناك فإنّه جيد ، والحمد للّه ! .
وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ
أي : إن لم ينته النّصارى عن هذه المقالة الباطلة ، والادّعاء الكاذب .
لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
أي : ليصيبنّهم عذاب أليم في الدّنيا ، والآخرة . في الدّنيا : القتل ، والأسر ، والجزية ، وقد حصل شيء من هذا . ولعذاب الآخرة
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 178 | الشيخ محمد علي طه الدرة