تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
للناس ، فقال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : ألم تعلم أنّ اللّه تعالى قال :
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ . . .
إلخ . واللّه ما ورّثنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سوداء في بيضاء ! . وفي صحيح البخاري عن وهب بن عبد اللّه السوائي ؛ قال : قلت لعليّ بن أبي طالب - رضي اللّه عنه - : هل عندكم شيء من الوحي ممّا ليس في القرآن ؟ فقال : لا والذي فلق الحبّة ، وبرأ النّسمة إلا فهما يعطيه اللّه رجلا في القرآن ، وما في هذه الصّحيفة . قلت : وما في هذه الصحيفة ؟ قال : العقل ، وفكاك الأسير ، وأن لا يقتل مسلم بكافر . ومعنى العقل : الدية .
وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ :
يحفظك ، ويرعاك من الكافرين ، ويمنعك منهم ، فلا يقدر أحد يريدك بالقتل ، وإن حصل له بعض الأذى من المشركين كشجّ رأسه ، وكسر رباعيّته صلّى اللّه عليه وسلّم يوم أحد ، وتعرّضهم له بالأذى . وقد يجاب عن ذلك بأنّ ما حصل كان قبل نزول الآية الكريمة ، وخذ ما يلي : وذلك : أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم غزا بني محارب ، وبني أنمار ، فنزلوا منزلا ، ولا يرون من العدوّ أحدا ، فوضع المسلمون السّلاح ، فخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لحاجة حتّى قطع الوادي ، فحال السّيل بين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وبين أصحابه ، فجلس تحت شجرة ، فبصر به غورث بن الحارث المحاربي ، فقال : قتلني اللّه ؛ إن لم أقتله ، ثمّ انحدر من الجبل ، ومعه السّيف ، ولم يشعر به النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، إلا وهو قائم على رأسه ، وقد سلّ السيف من غمده ، وقال : يا محمد ! من يمنعك مني الان ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « اللّه عزّ وجل ! » ثمّ قال : « اللهم اكفني غورث بن الحارث بما شئت ! » فأهوى غورث بالسّيف ؛ ليضرب به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فأكبّ لوجهه من زلقة زلقها . فبدر السّيف من يده . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأخذ السّيف ، وقال : « من يمنعك منّي الان يا غورث ؟ ! » فقال : لا أحد ! كن خير آخذ يا محمّد ! فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أتشهد أن لا إله إلّا اللّه ، وأنّي رسول اللّه ؟ » قال : لا ، ولكن أشهد أن لا أقاتلك ، ولا أعين عليك عدوّا . فأعطاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سيفه ، فقال : لأنت خير منّي ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أجل أنا أحقّ بذلك منك » . فرجع إلى قومه ، وقال لهم : جئتكم من عند خير الناس ، وذكر لهم حاله مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وسكن الوادي ، فقطع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الوادي إلى أصحابه ، وأخبرهم الخبر .
إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي . . .
إلخ : قال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : معناه : لا يرشد من كذّبك ، وأعرض عنك . وقال ابن جرير الطّبري : معناه : إنّ اللّه لا يوفق للرّشد من حاد عن سبيل الحقّ ، وجار عن قصد السبيل ، وجحد ما جئت به من عند اللّه ، ولم ينته إلى أمر اللّه ، وطاعته فيما فرض عليه ، وأوجبه . وعن أنس بن مالك - رضي اللّه عنه - قال : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يحرسه بعض أصحابه ليلا حتى نزلت الآية الكريمة ، فأخرج رأسه من قبّة أدم ، فقال : « انصرفوا أيّها النّاس ! فقد عصمني اللّه من النّاس » . رواه الحاكم ، وأخرجه الترمذيّ عن عائشة - رضي اللّه عنها - .