[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 67 ]
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ ( 67 )
الشرح :
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ :
انظر الآية رقم [ 41 ] . المناسبة : لمّا حذّر اللّه تعالى من موالاة الكافرين في الآيات السابقة ، وكانت رسالته صلّى اللّه عليه وسلّم تتضمّن الطّعن في أحوال الكفارة ، والمخالفين ، وعقائدهم ، وهذا يستدعي مناصبتهم العداء له ، ولأصحابه ، وأتباعه ؛ أمره اللّه في هذه الآيات بتبليغ الدّعوة ، ووعده بالحفظ ، والنّصرة ، ثمّ ذكر طرفا من عقائد أهل الكتاب الفاسدة ، وبخاصة النّصارى الذين يعتقدون بألوهيّة عيسى ، وأنّه ثالث ثلاثة ، وردّ عليهم بالدّليل القاطع ، والبرهان السّاطع .
بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ :
روي عن الحسن البصري - رضي اللّه عنه - : أنّ اللّه تعالى لمّا بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بدين الحقّ ؛ ضاق ذرعا ، وعرف : أنّ من الناس من يكذّبه ، فأنزل اللّه هذه الآية . وقيل : نزلت في عيب اليهود ، وذلك : أنّ الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم دعاهم إلى الإسلام ، فقالوا :
أسلمنا قبلك ، وجعلوا يستهزئون به ، ويقولون : تريد أن نتخذك حنانا ، كما اتّخذت النصارى عيسى حنانا ! فلمّا رأى - أي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم - ذلك منهم ؛ سكت ، فأنزل اللّه هذه الآية ، وأمره أن يقول لهم :
يا أَهْلَ الْكِتابِ . . . *
إلخ . وقيل : نزلت في أمر الجهاد ، وذلك : أنّ المنافقين كرهوه ، فكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يمسك في بعض الأحايين عن الحثّ على الجهاد ؛ لما علم من كراهية بعضهم له ، فأنزل اللّه هذه الآية . والمعنى : بلّغ جميع ما أمرت بتبليغه غير مراقب أحدا ، ولا خائف مكروها . فدلّت الآية الكريمة على ردّ قول من قال : إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كتم شيئا من أمر الدين تقيّة ، وعلى بطلانه ، وهم الشيعة . ودلّت أيضا على أنّه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يسرّ إلى أحد شيئا من أمر الدّين ؛ لأنّ المعنى : بلغ جميع ما أنزل إليك ظاهرا ، ولولا هذا ما كان في قوله عزّ وجل :
وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ
فائدة ، وانظر شرح :
فَإِنْ لَمْ
في الآية رقم [ 91 ] من سورة ( النّساء ) .
قال البخاريّ - رحمه اللّه تعالى - عند تفسير هذه الآية : عن عائشة - رضي اللّه عنها - قالت :
من حدّثكم : أنّ محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم كتم شيئا ممّا أنزل اللّه عليه ؛ فقد كذب ، واللّه يقول :
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ .
وفي الصّحيحين عنها أيضا : أنّها قالت : لو كان محمد كاتما شيئا من القرآن ؛ لكتم هذه الآية :
وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ
إلخ رقم [ 37 ] من سورة ( الأحزاب ) .
انظر شرحها هناك . فإنّه جيد ، والحمد للّه . هذا ؛ وفي الآية تأديب للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، وتأديب لحملة العلم من أمّته ، وقد قال الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : « من سئل عن علم ، فكتمه ؛ ألجم يوم القيامة بلجام من نار » . رواه أبو داود ، والترمذي عن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - .
وقال ابن أبي حاتم : عن هارون بن عنترة عن أبيه ؛ قال : كنت عند ابن عبّاس - رضي اللّه عنهما - فجاء رجل ، فقال له : إنّ ناسا يأتوننا ، فيخبروننا : أنّ عندكم شيئا لم يبده رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم