تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا
أراد بالنّبيّين : الّذين بعثوا بعد موسى ، على نبينا ، وحبيبنا ، وعليه ألف صلاة ، وألف سلام ، وذلك : أنّ اللّه بعث في بني إسرائيل ألوفا من الأنبياء ، والمرسلين ، وليس معهم كتاب ، إنّما بعثوا بإقامة التوراة ، وأحكامها . ومعنى
أَسْلَمُوا :
انقادوا لأمر اللّه تعالى ، والعمل بكتابه ، وهذا على سبيل المدح لهم ، وفيه تعريض باليهود ؛ لأنّهم بعدوا عن الإسلام ، الذي هو دين الأنبياء . وتنويه بشأن المسلمين ؛ الذين هم مهتدون بهدي الأنبياء ، والمرسلين . وقال ابن الأنباري : هذا ردّ على اليهود ، والنصارى ؛ لأنّ الأنبياء - عليهم السّلام - ما كانوا موصوفين باليهوديّة ، والنّصرانية ، بل كانوا مسلمين للّه تعالى ، منقادين لأمره ، ونهيه ، ومعنى :
لِلَّذِينَ هادُوا :
على الذين هادوا ؛ أي : يحكمون على اليهود بحكم التّوراة ، كما فعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من حملهم على حكم الرّجم ، كما هو في التوراة ، ولم يوافقهم على الجلد ، والتّحميم .
وَالرَّبَّانِيُّونَ
جمع : رب ، وفيه قولان : أحدهما : أنّه منسوب إلى الربّ ، والألف ، والنون فيه زائدتان في النسب دلالة على المبالغة ، والثاني : أنّه منسوب إلى ربّان ، والرّبّان هو معلم الخير ، ومن يسوس النّاس ، ويعرّفهم أمر دينهم ، فالألف والنون دالان على زيادة في الوصف ، كهي في : عطشان ، ونحوه ، وتكون النسبة على هذا للمبالغة في الوصف نحو : أخمري . والأول قول سيبويه ، والثاني قول المبرد . واختلفوا في معنى الربّاني ؛ فقال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : معناه : فقهاء علماء ، وعنه أيضا : فقهاء معلّمون . وقيل : الربّانيّ هو الذي يربّي النّاس بصغار العلم ، وكباره ، وقيل : الربّانيّ : العالم الّذي يعمل بعلمه ، وقيل : الرّبانيّ : العالم بالحلال ، والحرام ، والأمر ، والنهي . وقيل : الربّانيّ الذي جمع بين علم البصيرة ، والعلم بسياسة الناس . ولما مات ابن عباس - رضي اللّه عنهما - قال ابن الحنفية - رضي اللّه عنه - : اليوم مات ربّانيّ هذه الأمة .
وَالْأَحْبارُ :
قال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : هم الفقهاء ، واحدة : حبر - بفتح الحاء وكسرها لغتان - وإنّما سمي العالم : حبرا ؛ لما عليه من أثر جمال العلم ، كما أنّ الحبر يترك أثرا على الورقة عند الكتابة به . وهل هناك فرق بين الربّانيين ، والأحبار ، أم لا ؟ فقيل : لا فرق ، وهم بمعنى واحد ، وهم العلماء ، والفقهاء . وقيل : الربّانيّون أعلى درجة من الأحبار ؛ لأنّ اللّه قدّمهم في الذّكر على الأحبار ، وقيل : الرّبانيّون : علماء النّصارى ، والأحبار : علماء اليهود . وانظر توبيخهم في الآية رقم [ 63 ] الآتية .
بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ :
بسبب أمر اللّه إيّاهم أن يحفظوا كتابه من التّضييع ، والتحريف ، وقيل : هو أن يحفظوه ، فلا ينسوه ، وقد أخذ اللّه على العلماء حفظ كتابه من هذين الوجهين معا ، وذلك بأن يحفظوا كتاب اللّه في صدورهم ، ويدرسونه بألسنتهم ؛ لئلا ينسوه ، وأن لا يضيعوا أحكامه ، ولا يهملوا شرائعه ، فإذا فعلوا ذلك ؛ كانوا قائمين بحفظه ، ورعايته .