تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 669

مساهمون:

ص٦٦٩
وإلّا ؛ فهو سبحانه يعاقب المصرّ على كفره ، ونفاقه ، وعصيانه .
وَكانَ اللَّهُ :
ويكون ، ولا يزال كائنا .
شاكِراً عَلِيماً :
قد قدّم اللّه الشكر على الإيمان في الآية ؛ لأنّ العاقل ينظر إلى ما عليه من النّعمة العظيمة في خلقه ، وتعريضه للمنافع ، فيشكر شكرا مبهما ، فإذا انتهى به النظر إلى معرفة المنعم ؛ آمن به ، ثمّ شكره شكرا مفصلا ، فكان الشكر مقدّما على الإيمان . هذا ؛ والفعل منه يتعدّى بنفسه ، وبحرف الجر ، تقول : شكرته ، و : شكرت له ، كما تقول : نصحته ، و : نصحت له ، وباللام أفصح . هذا ؛ ومن أسماء اللّه تعالى : الشّكور ، ومعناه : هو الذي يجازي على يسير الطّاعات كثير الدّرجات ، ويعطي بالعمل في أيام معدودة نعما في الآخرة غير محدودة . وخذ في معنى الشّكر للّه ما يلي : قال سهل بن عبد اللّه - رحمه اللّه تعالى - : الشكر هو : الاجتهاد في بذل الطّاعة مع الاجتناب للمعصية في السرّ ، والعلانية . وقالت طائفة أخرى : الشّكر : هو الاعتراف في تقصير الشّكر للمنعم ، ولذلك قال اللّه تعالى :
اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً ،
فقال داود - على نبينا ، وعليه ألف صلاة وألف سلام - : كيف أشكرك يا رب ، والشّكر نعمة منك علي ؟ ! فقال تعالى : الآن شكرتني ، وعرفتني ؛ إذ قد عرفت : أنّ الشكر منّي نعمة عليك . وقال موسى - عليه السّلام - : كيف أشكرك يا رب ! وأصغر نعمة وضعتها بيدي من نعمك ، لا يجازي بها عملي كلّه ؟ ! فأوحى إليه : يا موسى ! الآن شكرتني . وقال ذو النّون المصري - رحمه اللّه تعالى - : الشكر لمن فوقك بالطّاعة ، ولنظيرك بالمكافأة ، ولمن دونك بالإحسان ، والإفضال . هذا ؛ وشكر اللّه يستوجب المزيد من النعم ، قال تعالى في سورة ( إبراهيم ) على نبينا ، وحبيبنا ، وعليه ألف صلاة ، وألف سلام - :
لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ .
وجحودها يستوجب سلبها ، وذهابها ، قال تعالى في الآية نفسها رقم [ 7 ] :
وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ
لذا قيل : إنّ الشكر قيد النعمة الموجودة ، وبه تنال النعمة المفقودة . وينبغي أن تعلم : أنّ فائدة الشكر ، تعود على الشّاكر نفسه ، قال تعالى في سورة ( النّمل ) رقم [ 40 ] :
وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ،
وقال تعالى في سورة ( لقمان ) رقم [ 12 ] :
وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ .
هذا ؛ والشّكر مطلوب لكلّ منعم ، ومحسن ؛ ولو كان من البشر ، لذا فقد ندبنا اللّه ورسوله على أن نشكر من أحسن إلينا من النّاس ، لذا قال اللّه تعالى :
اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ .
وعن جابر بن عبد اللّه - رضي اللّه عنه - عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من أعطي عطاء ، فوجد ؛ فليجز به ، فإن لم يجد ؛ فليثن ، فإنّ من أثنى ؛ فقد شكر ، ومن كتم ؛ فقد كفر ، ومن تحلّى بما لم يعط ؛ كان كلابس ثوبي زور » . أخرجه الترمذيّ . وعن أسامة بن زيد - رضي اللّه عنهما - قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من صنع إليه معروف ، فقال لفاعله : جزاك اللّه خيرا ؛ فقد أبلغ في الثّناء » .