تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 633

مساهمون:

ص٦٣٣
وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا :
لقد ذكرت أسباب كثيرة لاتخاذ اللّه إبراهيم خليلا ، أكتفي بأمرين من ذلك : 1 - روي : أنّ إبراهيم - على نبينا ، وحبيبنا ، وعليه ألف صلاة ، وألف سلام - بعث غلمانه إلى خليل له بمصر في أزمة أصابت النّاس بشدّة ؛ ليمتاروا منه ، فقال خليله للغلمان : لو كان إبراهيم يريد الطّعام لنفسه ؛ لفعلت ، ولكن يريده للأضياف ، وقد أصابنا ما أصاب النّاس من الشدّة ، فرجع غلمانه بدون ميرة ، فمرّوا في طريقهم ببطحاء من الرملة سهلة ، فملؤوا الغرائر منها ؛ لئلا يرى النّاس : أنّهم رجعوا بدون ميرة ، فلما أخبروا إبراهيم بذلك ساءه الخبر ، فغلبته عيناه فنام ، وقامت سارة - عليها السّلام - إلى غرارة منها ، ففتحتها فإذا هي ملأى بأجود دقيق ، فأمرت الخبّازين ، فخبزوا ، وأطعموا النّاس ، فاستيقظ إبراهيم - على نبينا ، وحبيبنا ، وعليه ألف صلاة ، وألف سلام - فوجد ريح الخبز ، فقال : يا سارة ! من أين لكم هذا ؟ فقالت : من عند خليلك المصري . فقال : بل هذا من عند خليلي اللّه . قال : فيومئذ اتّخذه اللّه خليلا . 2 - روى الطّبرانيّ عن عمر بن الخطاب - رضي اللّه عنه - قال : إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إنّ اللّه تبارك وتعالى بعث حبيبي جبريل - عليه الصّلاة والسّلام - إلى إبراهيم عليه السّلام ، فقال له : يا إبراهيم ! إنّي لا أتّخذك خليلا على أنّك أعبد عباد لي ، ولكن اطّلعت على قلوب المؤمنين ، فلم أجد قلبا أسخى من قلبك » . هذا ؛ وقد اتّخذ اللّه محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم خليلا ، كما اتّخذ إبراهيم خليلا ، فقد ثبت في الصّحيحين عن أبي سعيد الخدري - رضي اللّه عنه - عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : أنّه قال : « لو كنت متّخذا خليلا غير ربّي ؛ لاتّخذت أبا بكر خليلا ، ولكنّه أخي ، وصاحبي ، وقد اتّخذ اللّه صاحبكم خليلا » . أخرجه مسلم . فقد ثبت بهذين الحديثين الخلّة ل ( إبراهيم ) عليه السّلام ، وللنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، وزاد على إبراهيم - عليه السّلام - بالمحبّة ، فمحمّد خليل اللّه ، وحبيبه ، فقد جاء في حديث عن ابن عباس - رضي اللّه عنهم - : أنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « وأنا حبيب اللّه ، ولا فخر ! وأنا أوّل شافع ، وأوّل مشفّع ؛ ولا فخر ! وأنا أوّل من يحرّك حلقة الجنّة ، فيفتح اللّه ، ويدخلنيها ؛ ومعي فقراء المؤمنين ؛ ولا فخر ! وأنا أكرم الأوّلين ، والآخرين يوم القيامة ؛ ولا فخر ! » . أخرجه الترمذيّ بأطول من هذا . بعدما تقدّم فالخلّة بين الآدميين : الصّداقة ، مشتقّة من تخلّل الأسرار بين المتخالّين . وقيل : هي من الخلّة ، فكل واحد من الخليلين يسدّ خلّة صاحبه . هذا ؛ والخليل : هو الصديق الذي صفت مودّته ، فتجد من خلاله مثل ما يجد من خلالك ، ويسعى لمصلحتك كما يسعى لمصلحته ، بل قد يؤثرك على نفسه ، ويبذل روحه من أجلك ، كما قال ربيعة بن مقروم الضبّي : [ الوافر ]
أخوك أخوك من تدنو وترجو * مودّته وإن دعي استجابا
إذا حاربت حارب من تعادي * وزاد سلاحه منك اقترابا
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 633 | الشيخ محمد علي طه الدرة