تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 55

مساهمون:

ص٥٥
هذا ؛ وقال الكوفيّون : فإنّ الأصل في :
اللَّهُمَّ
يا اللّه آمنّا بخير . والأول هو المعتمد .
مالِكَ الْمُلْكِ :
يتصرّف فيما يمكن التصرف فيه تصرف الملّاك فيما يملكون .
تُؤْتِي الْمُلْكَ :
تعطي ، وتمنح من تشاء النصيب الذي قسمت له من الملك .
وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ :
تسلب ، وتسترد الملك ممّن تشاء أن تنزعه منه .
وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ :
يعني : محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم بالنبوّة ، والرّسالة ، وكلّ مؤمن بالإيمان ،
وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ
إذلاله بالكفر ، كاليهود ، والنّصارى بأخذ الجزية منهم ، ونزع النبوة عنهم .
بِيَدِكَ الْخَيْرُ :
يعني : النّصر ، والغنيمة . هذا ؛ وقد ذكر اللّه سبحانه الخير ، والشرّ من قدرته أيضا ، اكتفاء بالمقابل ، وإنّما خصّ الخير بالذكر ؛ لأنه المرغوب فيه ، أو لأنه المقضيّ بالذّات ، والشرّ مقضيّ بالعرض ؛ إذ لا يوجد شرّ جزئيّ ما لم يتضمن خيرا كلّيّا .
إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ :
قادر مقتدر ؛ يعني : من إيتاء الملك من تشاء ، وإعزاز من تشاء ، وإذلال من تشاء . هذا ؛ وفي الآية الكريمة من المحسّنات البديعيّة الطباق بين : ( تؤتي ، وتنزع ) وبين : ( تعزّ ، وتذلّ ) ، والإيجاز بالحذف ، حيث حذف مفعول الأفعال الأربعة ، كما تراه في الإعراب ، وكذلك الاقتصار على ذكر الخير ، دون ذكر الشرّ ، فإن فيه تعليم الأدب لنا مع اللّه ، فالشرّ لا ينسب إليه تعالى أدبا ، وإن كان منه خلقا ، وتقديرا ، كما قال تعالى في ( سورة النّساء ) رقم [ 78 ] :
قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
ومع ذلك قال تعالى في الآية بعدها :
ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ .
تنبيه : ذكر البيضاوي - رحمه اللّه تعالى - : أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وعد أصحابه ملك كسرى ، وقيصر ، وهم في أشدّ المحن ، وذلك في غزوة الخندق المسماة بغزوة الأحزاب أيضا ، فقال المنافقون : هيهات ! هيهات ! ما يعدنا محمد إلا غرورا ، يعدنا ملك كسرى ، وقيصر ، وأحدنا لا يجرؤ على البراز خارجا ، فنزلت الآية الكريمة . وانظر سورة ( الأحزاب ) . وقال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : لمّا فتح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مكة ؛ وعد أمتّه ملك فارس ، والروم ، فقال المنافقون ، واليهود : هيهات ! هيهات ! من أين لمحمد ملك فارس ، والروم ، وهم أعزّ ، وأمنع من ذلك ؟ ! ألم يكف محمدا مكة ، والمدينة حتى طمع في ملك فارس ، والروم ؟ ! فأنزل اللّه هذه الآية . وهذا ضعيف ، ويضعّفه : أنّ اليهود قد قضي عليهم قبل فتح مكة . هذا ؛ وفي بعض كتب اللّه المنزلة : أنا اللّه ملك الملوك ، ومالك الملك ، قلوب الملوك ونواصيهم بيدي ، فإن العباد أطاعوني ؛ جعلتهم عليهم رحمة ، وإن هم عصوني ؛ جعلتهم عليهم عقوبة ، فلا تشتغلوا بسبّ الملوك ، ولكن توبوا إليّ أعطفهم عليكم . هذا ؛ و ( يشاء ) ماضيه : شاء ، وأصله شيء على فعل بكسر العين ، بدليل قولك : شئت شيئا ، وقد قلبت الياء ألفا ؛ لتحركها ، وانفتاح ما قبلها . ومفعوله محذوف يقدر في هذه الآية على حسب المعنى ، ويكثر حذف مفعوله ، ومفعول : أراد حتى كاد لا ينطق به إلا في الشيء المستغرب ، مثل قوله تعالى