تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
تُولِجُ :
تدخل ، والماضي : أولج ، فهو رباعي ، ومصدره : الإيلاج ، وأما الثلاثي فهو : ولج ، يلج ، ومصدره : الولوج . والمراد بإيلاج الليل في النّهار ، وبالعكس بأن يزيد كلّ منهما بما نقص من الآخر ، وهو ظاهر في طول الليل ، وقصره تبعا لفصول السنة . هذا ؛ وفي الجملتين ردّ العجز على الصّدر ، وفيها استعارة عجيبة ، فإنّ الإيلاج عبارة عن إدخال هذا على هذا ، أو إدخال هذا في هذا ، وذلك ؛ لأنّ ما ينقصه من الليل يزيده في النهار ، والعكس ، ولفظ الإيلاج أبلغ ؛ لأنّه يفيد إدخال كلّ واحد منهما في الآخر بلطيف الممازجة ، وشديد الملابسة . وبين
اللَّيْلَ
و
النَّهارِ
وبين
الْحَيَّ
و
الْمَيِّتِ
طباق ، وهو من المحسّنات البديعية .
وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ :
الْحَيَّ
كالإنسان ، والطائر ، و
الْمَيِّتِ :
النّطفة تخرج من الإنسان ، والبيضة تخرج من الطائر .
وَتُخْرِجُ الْحَيَّ :
الإنسان ، والطائر من النطفة ، والبيضة .
وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ :
النطفة ، والبيضة من الإنسان ، والطائر . ويقال أيضا في جميع البذور ، وما يخرج منها من النباتات . وقال الحسن البصري - رحمه اللّه تعالى - معناه : يخرج المؤمن من الكافر ، والكافر من المؤمن ، وروي نحوه عن سلمان الفارسي - رضي اللّه عنه - . وروى معمر بن الزّهري : أنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم دخل على نسائه ، فإذا بامرأة حسنة الهيئة ، قال : « من هذه ؟ » قلن : إحدى خالاتك قال : لومن هي ؟ « قلن : هي خالدة بنت الأسود بن عبد يغوث ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « سبحان الّذي يخرج الحيّ من الميّت » . وكانت امرأة صالحة ، وكان أبوها كافرا . خذ قوله تعالى في سورة ( الأنعام ) رقم [ 122 ] :
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ .
انظر شرحها هناك .
وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ
أي : بغير تقدير ، فيوسع في الدنيا استدراجا تارة ، وابتلاء أخرى . وأما رزقه في الآخرة للمؤمنين ؛ فيكون تكريما واسعا ، لا يضبطه عدّ ، ولا كيل ، ولا وزن بخلاف رزق الدّنيا ؛ فإنه مضبوط محصور ، ورزق الآخرة لا ينتهي عدده ، ولا ينقطع مدده ، صاف عن كدّ الاكتساب ، وخوف الحساب ، ولا منّة فيه ، ولا عذاب . هذا و ( ميت ) أصله : ميوت ، فقل في إعلاله : اجتمعت الواو ، والياء ، وسبقت إحداهما بالسّكون ، فقلبت الواو ياء ، وأدغمت الياء ، في الياء . هذا ؛ وتخفف الياء بالسّكون ، فيقال : ميت ، بفتح الميم وسكون الياء ، وهو من فارقت روحه جسده ، وجمعه : أموات ، وأما المشدّد ؛ فهو الحي الذي سيموت ، وعليه قوله تعالى :
إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ
وجمعه : موتى ، قال بعض الأدباء في الفرق بينهما : [ الطويل ]
أيا سائلي تفسير ميت وميّت * فدونك قد فسّرت ما عنه تسأل
فمن كان ذا روح فذلك ميّت * وما الميت إلّا من إلى القبر يحمل
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 58 | الشيخ محمد علي طه الدرة