تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 542

مساهمون:

ص٥٤٢

[ سورة النساء ( 4 ) : آية 79 ]

ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً ( 79 ) الشرح :
ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ
أي : من خير ، وصحة ، ونعمة ، وخصب ، ونصر ، وغنيمة .
فَمِنَ اللَّهِ :
فمن كرم اللّه ، وإحسانه ، وجوده ، وفضله تعالى يتفضّل به عليك . والخطاب للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، والمراد به أمّته . وقيل : إنّه عامّ ، وتقديره : ما أصابك أيّها الإنسان . وإنّما كان من فضل اللّه ؛ لأنّ كل ما يفعله الإنسان من الطاعات لا يكافئ نعمة الوجود ، بل ، ولا شربة ماء ، فكيف يقضي غيره ؟ ! ولذا قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما أحد يدخل الجنّة إلّا برحمة اللّه » . قيل : ولا أنت يا رسول اللّه ؟ ! قال : « ولا أنا » . وفي رواية أخرى : « لن يدخل أحدا عمله الجنّة » . قالوا : ولا أنت يا رسول اللّه ؟ ! قال : « ولا أنا ؛ إلّا أن يتغمّدني اللّه بفضله ، ورحمته . فسدّدوا ، وقاربوا » . أخرجه البخاريّ عن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - .
وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ :
قحط ، وجدب ، وهزيمة . . . إلخ .
فَمِنْ نَفْسِكَ
أي : فبما كسبت يداك من المعاصي ، كما قال تعالى في سورة ( الشّورى ) :
وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ
وهو لا ينافي قوله تعالى في الآية السابقة :
قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ :
فإنّ الكلّ منه تعالى إيجادا ، وإيصالا ؛ غير أنّ الحسنة إحسان ، وامتحان ، والسيئة مجازاة ، وانتقام . قال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : لما نزلت آية الشّورى قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « والّذي نفسي بيده ما من خدش عود ، ولا عثرة قدم ، ولا اختلاج عرق إلّا بذنب ، وما يعفو اللّه عنه أكثر » . وقالت السّيدة عائشة - رضي اللّه عنها - : « ما من مسلم يصيبه وصب ، ولا نصب ، حتّى الشّوكة يشاكها ، وحتّى انقطاع شسع نعله إلّا بذنب ، وما يعفو اللّه عنه أكثر » .
وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا
أي : أرسلناك يا محمد إلى النّاس كافّة رسولا ؛ لتبلّغهم رسالتي ، وما أرسلتك به ، وليست رسالتك مقصورة على العرب ، كما يقول اليهود اللّؤماء .
وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً
أي : على أنّه أرسلك للناس كافّة ، فما ينبغي لأحد أن يخرج عن طاعتك ، واتّباعك ، وهو عالم بما تبلّغهم إيّاه ، وبما يردّون عليك من الحقّ كفرا ، وعنادا . بقي أن تعرف وجه الجمع بين قوله تعالى :
قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ،
وبين قوله :
وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ،
فأمّا إضافة الأشياء إلى اللّه تعالى ، فعلى الحقيقة ؛ لأنّ اللّه - عزّ وجل - هو خالقها ، وموجدها ، وأمّا إضافة السيئة إلى فعل العبد ، فعلى المجاز ، تقديره : وما أصابك من سيئة ؛ فمن اللّه بذنب نفسك عقوبة لك . وقيل : إضافة السيئة إلى فعل العبد على سبيل الأدب ، فهو كقوله تعالى حكاية عن قول إبراهيم - على نبينا ، وحبيبنا ، وعليه ألف صلاة وألف سلام - :
وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ
فأضاف المرض إلى نفسه على طريق الأدب . ولا شكّ : أنّ