تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 479

مساهمون:

ص٤٧٩
في الآية دلالة على : أنّ اليهودي يسمّى مشركا في عرف الشّرع . وقيل : إنّ الآية نزلت في وحشي ، وأصحابه ، وذلك لمّا قتل وحشيّ حمزة - رضي اللّه عنه - ورجع إلى مكّة ؛ ندم هو وأصحابه ، فكتبوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : إنّا قد ندمنا على ما صنعنا ، وإنّه ليس يمنعنا من الإسلام إلا أنّا سمعناك بمكّة ، تقول :
وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ . . .
إلخ الآيات من سورة ( الفرقان ) وقد دعونا مع اللّه إلها آخر ، وقتلنا النفس الّتي حرم اللّه ، وزنينا ، فلولا هذه الآية ؛ لاتّبعناك ، فنزلت :
إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً . . .
إلخ الآيتان من سورة ( الفرقان ) بعد الأولى ، فبعث بهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إليهم ، فلمّا قرؤوهما ؛ كتبوا إليه : هذا شرط شديد ، ونخاف ألا نعمل عملا صالحا ، فنزلت :
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ
فبعث بها إليهم ، فبعثوا إليه : إنّا نخاف ألا نكون من أهل المشيئة ، فنزلت :
قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ . . .
إلخ الآية من سورة ( الزمر ) فبعث بها إليهم ، فدخلوا في الإسلام ، ورجعوا إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقبل منهم . ثم قال لوحشي : « أخبرني كيف قتلت حمزة ؟ » فلمّا أخبره ، قال : « ويحك ! غيّب وجهك عنّي » . فلحق بالشّام ، فكان به إلى أن مات . انتهى خازن . والمشهور : أنّ هذا كان بعد فتح مكة ، بعد أن أهدر الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم دم وحشي فيمن أهدر ، وضاقت عليه الأرض بما رحبت ، فتوسّل ببعض الصّحابة ، فأدله على النبي الكريم ، فعفا عنه ، وحصل ما حصل من المناقشة شفاها ، ونزلت الآيات تباعا ، أو متفرقات . ولحوق وحشي بالشّام كان بعد وفاة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بزمن طويل ؛ إذ كان بعد فتح بلاد الشام في زمن الفاروق - رضي اللّه عنه - . والمشهور : أنّه أقام في بلاد الحجاز . وحارب في حروب الردّة ، وهو الذي قتل مسيلمة الكذاب ، وكان يقول : قتلت خير رجل في الإسلام ، وشرّ رجل في الكفر ، وأرجو أن تكون هذه بهذه ! ويروى : أنّه لمّا قال له النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « ويحك ! غيّب وجهك عنّي ! » قال : أنبيّ ، وحقود ؟ فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « بل نبيّ ، وفقود » . بعد هذا : المراد بالشّرك مطلق الكفر المنتظم لكفر اليهود انتظاما أوّليّا ، فإنّ الشرع قد نصّ على شرك أهل الكتاب قاطبة ، وقضى بخلود أصناف الكفرة في النّار .
وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ
أي : ما دون الشّرك من الذنوب صغائرها ، وكبائرها .
لِمَنْ يَشاءُ
أي : لمن يتكرّم اللّه عليه ، ويتفضّل بالعفو ، والإحسان .
افْتَرى :
فعل ، واقترف
إِثْماً :
ذنبا . وفي الآية تهديد ، ووعيد لليهود ، فإنّهم كانوا يفعلون ما يفعلون من التّحريف في التوراة ، ويطمعون في المغفرة ، كما قال تعالى عنهم في سورة ( الأعراف ) رقم [ 169 ] .
فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا
ولمّا هددهم اللّه بهذه الآية ؛ قالوا : لسنا مشركين ، بل نحن من خواصّ خلق اللّه ، كما حكى اللّه عنهم قولهم في سورة ( البقرة ) :
وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً ،
وحكى عنهم : أنهم قالوا :
وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 479 | الشيخ محمد علي طه الدرة