تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 374

مساهمون:

ص٣٧٤
قبل أن يكبر اليتامى ، فينتزعوها من أيدينا . والإسراف في اللغة : الإفراط في كل شيء ؛ ومجاوزة الحد فيه ، قال تعالى في سورة ( الأعراف ) رقم [ 31 ] :
وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ .
وقال جرير في مدح بني أميّة : [ البسيط ]
أعطوا هنيدة يحدوها ثمانية * ما في عطائهم منّ ولا سرف
« هنيدة » اسم لكل مئة من الإبل ، ومن دعاء الصّالحين المصلحين :
رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا
رقم [ 147 ] : من سورة ( آل عمران ) . وقوله تعالى في سورة ( البقرة ) رقم [ 220 ] :
وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ
فيها أكبر رادع ، وزاجر من التعدّي على مال اليتيم . ومن كان غنيّا ؛ فليستعفف : أي عن الأكل من مال اليتيم ، وإن عمل فيه ، وقام بمصالحه ، يقال : عف الرّجل عن الشّيء ، واستعفّ : إذا أمسك ، والاستعفاف عن الشيء : تركه ، ومنه قوله تعالى في سورة ( النور ) :
وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً ،
والعفة : الامتناع عمّا لا يحلّ ، ولا يحبّ فعله .
وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ
المراد به هنا : بقدر حاجته ، وأجر عمله في مال اليتيم ، ولفظ : الاستعفاف ، والأكل مشعر بأنّ للوليّ حقّا في مال اليتيم ، فقد روى أبو داود عن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جدّه : أنّ رجلا أتى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال : إنّي فقير ، وليس لي شيء ، ولي يتيم . فقال : « كل من مال يتيمك غير مسرف ، ولا مبذّر ، ولا متأثّل » ؛ أي : مدّخر ، وهذا إذا كان العمل في مال اليتيم يصرفه عن معاشه ، وما يحتاج إليه . هذا ؛ وبين
غَنِيًّا
و
فَقِيراً
طباق ، وهو من المحسّنات البديعية ، وبين الجملتين مقابلة لطيفة ، فتأمّلها . هذا ؛ والفقير أصله في اللغة : الذي انكسر فقار ظهره ، ثم أطلق على المعدم الذي لا يجد كفايته من المال ؛ لأنه يشبه الّذي أنبتّ ظهره ، وعدم الحول ، والقوة ، وهو أسوأ حالا من المسكين عندنا معاشر الشافعيّة ، ويدلّ عليه قوله تعالى في سورة ( الكهف ) :
أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ
فسمّاهم اللّه مساكين مع كونهم يملكون سفينة يتّجرون فيها ، وينقلون البضائع من صقع إلى صقع ، وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يسأل اللّه المسكنة ، ويتعوّذ به من الفقر ، فعن أبي سعيد الخدري - رضي اللّه عنه - قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « اللّهمّ أحيني مسكينا ، وتوفّني مسكينا ، واحشرني في زمرة المساكين ، وإنّ أشقى الأشياء من اجتمع عليه فقر الدّنيا ، وعذاب الآخرة » . رواه ابن ماجة ، وروى الترمذيّ مثله عن أنس - رضي اللّه عنه - .
فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ
أي : فإذا سلّمتم إلى اليتامى أموالهم ، فأشهدوا عليهم لئلا يجحدوا تسلّمها ، فإنه أنفى للتّهمة ، وأبعد للخصومة ، ووجوب الضمان ، والأمر للإرشاد ، وليس للوجوب .
وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً :
حافظا لأعمال خلقه ، ومحاسبهم عليها .