تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 371

مساهمون:

ص٣٧١
السّفهاء . وهم أقسام : فتارة يكون الحجر للصّغر ، وتارة يكون للجنون ، وتارة يكون لسوء التصرّف لنقص العقل ، أو الدين ، وهو المراد في الآية الكريمة بالنسبة لليتامى ، وأوليائهم ، وتارة يكون الحجر للفلس ، وهو ما إذا أحاطت الديون برجل ، وضاقت أمواله عن وفائها . وقال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : هم بنوك ، والنّساء ، وقال : لا تعمد إلى مالك ، وما خوّلك اللّه ، وجعله اللّه معيشة ، فتعطيه امرأتك ، أو بنيك ، ثم تنظر إلى ما في أيديهم ، ولكن أمسك مالك ، وأصلحه ، وكن أنت الذي تنفق عليهم . انتهى . وعليه في الآية نهي لكلّ أحد أن يعمد إلى ما خوّله اللّه تعالى من المال ، فيعطيه امرأته ، وأولاده ، ثم ينظر إلى ما في أيديهم تحسّرا ، وندامة ، وكم رأينا ، وسمعنا أناسا فعلوا ذلك ، ولا سيّما الذين يحرمون الإناث ، ويعطون الذكور ، ثمّ أهانوهم ، بل وطردوهم من بيوتهم ، والسّعيد من وعظ بغيره ، والشّقيّ من اتّعظ غيره به . هذا ؛ وقوله تعالى :
أَمْوالَكُمُ :
إن كان المراد به أموال اليتامى ، وأضافه إلى الأولياء ، والأوصياء ؛ فهو كقوله صلّى اللّه عليه وسلّم في حجّة الوداع : « إنّ دماءكم ، وأموالكم ، وأعراضكم حرام عليكم . . . » إلخ وإن كان المراد به أموال المخاطبين أنفسهم ؛ فقد رأيته فيما تقدّم ، وانظر شرح
سَفِيهاً
في الآية رقم [ 282 ] من سورة ( البقرة ) . وقال ابن جرير عن أبي موسى - رضي اللّه عنه - ، قال : ثلاثة يدعون اللّه ، فلا يستجيب لهم : رجل له امرأة سيّئة الخلق ، فلم يطلقها ، ورجل أعطى ماله سفيها ، وقد قال اللّه :
وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ
ورجل كان له على رجل دين ، فلم يشهد عليه . انتهى ، أقول : والمراد بسيئة ، عهرها ، وخروجها عن طاعة ربها . هذا ؛ وإنما قال :
الَّتِي
ولم يقل : اللاتي ؛ لأنه جمع ما لا يعقل ، فجرى على لفظ الواحد ، كما قال تعالى في سورة ( هود ) على نبينا ، وحبيبنا ، وعليه ألف صلاة ، وألف سلام :
فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
وقال في سورة ( مريم ) :
جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي . . .
إلخ . ولو كان لما يعقل لقال : اللاتي ، كما في الآية [ 23 ] الآتية :
وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ
وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ
وفي سورة ( النور ) :
وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللَّاتِي . . .
إلخ ، هذا هو الأكثر في لسان العرب ، وقد يجوز فيما لا يعقل : « اللاتي » ، وفيما يعقل « التي » .
قِياماً :
هو ما يقام به ، وإعلاله مثل إعلال « صيام » فيما تقدّم ، وأضيف هنا ما ذكره أبو البقاء ؛ حيث قال : هو مصدر : قام ، والياء بدل من الواو ، وأبدلت منها لمّا أعلّت في الفعل ، وكانت قبلها كسرة ، والتقدير : التي جعل اللّه لكم سبب قيام أبدانكم ، أي : بقائها ، ويقرأ : ( قيما ) بغير ألف ، وفيه ثلاثة أوجه : أحدها : انّه مصدر مثل الحول ، والعوض ، وكان القياس أن تثبت الواو ، ولتحصّنها بتوسّطها ، كما حصّنت في الحوض ، والعوض ، ولكن أبدلوها ياء حملا على « قيام » وعلى اعتلالها في الفعل .