تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 345

مساهمون:

ص٣٤٥
والتّمايل إلى الأمام ، والوراء . وعن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - : أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من قعد مقعدا لم يذكر اللّه فيه ؛ كانت عليه من اللّه ترة . ومن اضطجع مضجعا ، لا يذكر اللّه فيه ؛ كانت عليه من اللّه ترة ، وما مشى أحد ممشى لا يذكر اللّه فيه ؛ إلا كانت عليه من اللّه ترة » . أخرجه أبو داود . والتّرة : النقص . وقيل : التّبعة بمعنى المؤاخذة .
وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ :
وإذا تفكّروا ؛ اتعظوا ، وإذا اتعظوا ؛ آمنوا ، وإذا آمنوا ؛ عبدوا اللّه . والتفكّر في صنع اللّه أعظم عبادة يقوم بها العبد ، وقد ورد : لتفكّر ساعة في صنع اللّه خير من عبادة سنة . وفي رواية عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : أفضل من عبادة ستين سنة ، وورد تفكّروا في آلاء اللّه ، ولا تفكروا في اللّه ، فإنّه لا تحيط به الفكرة . ومرّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على قوم يتفكرون في اللّه ، فقال : « تفكّروا في الخلق ، ولا تفكّروا في الخالق ، فإنّكم لا تقدرون قدره » . وروي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : أنّه قال : « لا عبادة كالتّفكّر » لأنّه المخصوص بالقلب ، والمقصود من الخلق . وروي عن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « بينما رجل مستلق على فراشه ؛ إذ رفع رأسه ، فنظر إلى السّماء ، والنّجوم ، فقال : أشهد أنّ لك ربّا ، وخالقا ! اللهمّ اغفر لي ! فنظر اللّه إليه ، فغفر له » . هذا ؛ والفكر : تصرف القلب في طلب الأشياء . وقال صاحب المفردات : الفكر : قوّة مطرقة للعلم إلى العلوم . والتفكّر : جريان تلك القوة بحسب نظر العقل ، وذلك للإنسان دون الحيوان ، ولا يقال إلا فيما يمكن أن يكون له صورة في القلب . انتهى . هذا ؛ والفكر يؤدّي إلى الوقوف على المعاني المطلوبة من التآنس ، والتجانس بين الأشياء ، كالزوجين . وإنّما خصّ السماوات ، والأرض بالذكر هنا وفي كثير من الآيات ؛ لأنهما أعظم المخلوقات فيما يرى العباد ، وجمع
السَّماواتِ
دون (
الْأَرْضِ
) وهي مثلهنّ سبعا بدليل قوله تعالى في سورة الطّلاق :
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ ؛
لأنّ طبقاتها مختلفة بالذّات ، متفاوتة في الصّفات ، والآثار ، والحركات ، وقدّمها لشرفها ، وعلوّ مكانها ، وتقدّم وجودها ، ولأنها متعبد الملائكة ، ولم يقع فيها معصية كما في الأرض . وأيضا : لأنها كالذّكر ، فنزول المطر من السّماء على الأرض كنزول المني من الذّكر في رحم المرأة ، ولأنّ الأرض تنبت ، وتخضرّ بالمطر . ووحّد الأرض ؛ لأنها بجميع طبقاتها جنس واحدة ، وهو التراب ، والأحجار . وآية السماوات : ارتفاعها بغير عمد من تحتها ، ولا علائق من فوقها ، ثمّ ما فيها من الشّمس ، والقمر ، والنجوم السّائرة ، والكواكب الزّاهرة ، شارقة ، وغاربة ، نيّرة ، وممحوة آية ثانية ، وآية الأرض : مدّها ، وبسطها ، وما فيها من الجبال ، والبحار ، والمعارف ، والجواهر ، والأنهار ، والأشجار ، والثمار ، وما بثّ فيها من أجناس المخلوقات ، فيعلم العباد حينئذ : أنّ لهما خالقا مدبّرا حكيما ؛ لأن عظم آثاره ، وأفعاله تدلّ على عظم خالقها ، كما قيل : [ المتقارب ]