تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 337

مساهمون:

ص٣٣٧
تكاليف الشرع .
وَأَنْفُسِكُمْ
يعني : بالمصائب ، والأمراض ، والقتل ، وفقد الأحباب ، كقوله تعالى في سورة ( البقرة ) :
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ .
خوطب المسلمون بهذه الآية ؛ ليوطنوا أنفسهم على احتمال الأذى ، وما سيلقون من الشدائد ، والمصائب ؛ ليصبروا على ذلك ، حتى إذا لقوها ؛ لقوها ؛ وهم مستعدّون بالصبر لها ، لا يرهقهم ما يرهق غيرهم ممّن تصيبه الشّدة بغتة ، فينكرها ، ويشمئزّ منها .
وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً :
يقول اللّه تعالى للمؤمنين عند مقدمهم المدينة قبل وقعة بدر مسليا لهم عمّا ينالهم من الأذى من اليهود ، ومن المشركين ، بل ومن المنافقين ، وآمرا لهم بالصّبر ، والعفو ؛ حتّى يأتي اللّه بالنّصر . وقد تحقّق ذلك للمسلمين بعد سنوات عدّة بقتل اليهود قبيلة ، قبيلة ، وبذلّ المنافقين ، وأخيرا بفتح مكة ، قال عكرمة : نزلت في أبي بكر ، وفنحاص كما رأيت في الآية رقم [ 181 ] والأصح : أنّها نزلت قبل وقعة بدر ، كما ذكرت آنفا .
وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا :
الخطاب لسيد الخلق ، وحبيب الحق ، ولأصحابه . والمعنى : وإن تصبروا على أذاهم ، وتتّقوا اللّه فيما أمركم به ، ونهاكم عنه ؛ لأنّ الصبر عبارة عن احتمال الأذى ، والمكروه ، والتقوى عبارة عن الاحتراز عمّا لا ينبغي . هذا ؛ والإشارة بقوله تعالى :
فَإِنَّ ذلِكَ
للصّبر ، والتّقوى .
مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ
أي : ممّا عزمه اللّه ، وأمر به ، وقطعه قطع إيجاب وإلزام ، ومنه قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا صيام لمن لم يعزم الصّيام من اللّيل » أي : لم يقطعه ، ويجزم به بالنّيّة . هذا ؛ ودخلت لام الابتداء في سورة ( الشّورى ) في قوله تعالى :
إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ،
وهي للتّوكيد ، ولم تدخل في هذه الآية ، ولا في سورة ( لقمان ) رقم [ 17 ] لأنّ الصبر على مكروه حدث بظلم - كقتل - أشدّ من الصبر على مكروه حدث بلا ظلم ، كموت ولد ، كما أنّ العزم على الأول آكد منه على الثّاني ، وما في سورة ( الشورى ) من القبيل الأول ، فكان أنسب بالتوكيد ، وما هنا ، وما في سورة ( لقمان ) من القبيل الثاني ، فكان أنسب بعدمه . انتهى جمل نقلا عن كرخي . بعد هذا : فالفعل « تسمع » صحيح الآخر ، فلمّا أسند لواو الجماعة صار : تسمعون ، فلمّا أكّد بنون التوكيد صار : تسمعوننّ ، فحذفت نون الرفع لتوالي الأمثال ، فصار تسمعون ، فحذفت الواو لالتقاء الساكنين ، وبقيت الضمة على العين ؛ لتدلّ عليها ، فصار ( لتسمعن ) . وإذا أسند الفعل المعتل الآخر لواو الجماعة ، مثل : يدعو ، يرمي ، يسعى ، فتحذف نون الرفع وواو الجماعة ، وحرف العلة ، مثل : لتدعنّ لترمنّ ، إلا مع المعتل بالألف ، فتثبت الواو ؛ لأنّ قبلها فتحة ، مثل لتسعونّ ، ومنه : لتبلونّ . الإعراب :
لَتُبْلَوُنَّ :
اللام : واقعة في جواب قسم محذوف ، تقديره : وعزتي ، وجلالي ! والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف ، تقديره : أقسم . ( تبلون ) : فعل مضارع مبني للمجهول
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 337 | الشيخ محمد علي طه الدرة