تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 321

مساهمون:

ص٣٢١
السّاعة ، إلّا نبّأتكم به » . فقام عبد اللّه بن حذافة السّهمي ، فقال : من أبي يا رسول اللّه ؟ ! فقال : « حذافة » فقام عمر - رضي اللّه عنه - فقال : يا رسول اللّه رضينا باللّه ربّا ، وبالإسلام دينا ، وبالقرآن إماما ، وبك نبيّا ؛ فاعف عنّا ، عفا اللّه عنك ! فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « فهل أنتم منتهون ، فهل أنتم منتهون ؟ ! » . ثم نزل عن المنبر ، فأنزل اللّه هذه الآية . وقيل : إنّ المؤمنين سألوا أن يعطوا آية يفرّقون بها بين المؤمن ، والمنافق ، والكافر ، فنزلت هذه الآية . والمعنى : لا يترككم اللّه أيّها النّاس مختلطين ، لا يعرف مؤمنكم من منافقكم ؛ حتى يميز المؤمن المخلص من المنافق ، وذلك بالوحي إلى نبيّكم عن أحوالكم ، أو بالتكاليف الشاقّة ؛ التي لا يصبر عليها إلا المخلصون منكم ، كبذل الأموال ، والأنفس في سبيل اللّه ليختبر به بواطنكم ، ويكشف به عن عقائدكم . هذا ؛ و « يذر » لا يأتي منه ماض ك : « يدع » استغناء عنه بتصرف مرادفه ، وهو : « يترك » ، وحذفت الواو من « يذر » من غير موجب تصريفي ، وإنّما حمل على « يدع » لأنه بمعناه و « يدع » حذف الواو منه لموجب تصريفي ، وهو وقوع الواو بين عدوّتيها ، وهما : الياء ، وكسرة مقدرة ، وأما الواو في « يذر » فوقعت بين ياء ، وفتحة أصلية . انتهى جمل نقلا من السّمين ، أقول : وقوله كسرة مقدّرة ؛ إذ الأصل : يودع مثل : يوعد ، وإنّما فتحت الدّال من « يدع » لأنّ لامه حرف حلقيّ . فيفتح ما قبله ، ومثله : يقع ، ويطأ ، ويسع ، وانظر « دع » و « ذر » في سورة ( البقرة ) رقم [ 278 ] فإنّه جيّد ، والحمد للّه !
حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ :
يَمِيزَ :
مضارع ، وماضيه « ماز » ومثله : ميّز ، وأماز بمعنى : فرز الشيء عن غيره ، وبمعنى : فضّله على غيره . وقرئ : ( حتّى يميّز ) بالتشديد من : ميّز ، وكذا قوله تعالى في ( الأنفال ) :
لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ
و
تَكادُ تَمَيَّزُ :
تنقطع ، وبهذا فسّر قوله تعالى في سورة ( الملك ) :
تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ ،
وقوله تعالى في سورة ( يس ) :
وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ
بمعنى : اعتزلوا من المؤمنين الصّالحين ، وانظر ما ذكرته فيها هناك ، فإنّه جيد . هذا ؛ والمراد ب
الْخَبِيثَ :
الكفر ، والنفاق ، أو الكافرون ، والمنافقون ، والمراد ب
الطَّيِّبِ :
الإيمان ، أو المؤمنون ، كما يطلقان على العمل الصّالح ، والسيئ . وانظر قوله تعالى في سورة ( النور ) رقم [ 26 ] :
الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ . . .
إلخ ففي الكلام استعارة ، وطباق ، وهو من المحسّنات البديعيّة .
وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ :
وما كان اللّه ليبيّن لكم المؤمن من الكافر ، فيقول : فلان مؤمن ، وفلان كافر ، وفلان منافق ؛ لأنّه لا أحد يعلم الغيب إلا اللّه ، وإنّ سنّة اللّه جارية ألا يطّلع على غيبه أحد من الناس ، فلا سبيل إلى معرفة المؤمن من الكافر ، أو المنافق إلا بالامتحان بالآفات ، والمصائب ؛ ليتميز المؤمن المخلص بثباته على إيمانه ، ويتزلزل المنافق عند المحن ، والبلايا .