تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 293

مساهمون:

ص٢٩٣
وقال محمد بن كعب القرظيّ ، ومحمد بن إسحاق : هذا في شأن الوحي ، يقول : وما كان لنبي أن يكتم شيئا من الوحي ، رغبة ، أو رهبة ، أو مداهنة ، والغلول : هو الخيانة ، وأصله : أخذ الشيء في خفية يقال : غل فلان ، يغل بفتح الياء ، وضم الغين ؛ أي : وما كان لنبي أن يخون ؛ لأنّ النبوة والخيانة لا يجتمعان ؛ لأن منصب النبوة أعظم المناصب ، وأشرفها ، وأعلاها ، فلا تليق به الخيانة ؛ لأنّها في نهاية الدناءة ، والخسّة ، والجمع بين الضدّين محال . فثبت بذلك : أنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لم يخن أمّته في شيء ، لا من الغنائم ، ولا من الوحي . وقيل : المراد به : الأمة ؛ لأنه قد ثبتت براءة ساحة النبيّ من الغلول ، والخيانة ، فدلّ ذلك على أنّ المراد بالغلول غيره . انتهى خازن بتصرف . وهذا الذي أعتمده إن شاء اللّه ؛ لأنه قد خوطب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بأشياء كثيرة ، والمراد أمّته ، مثل قوله تعالى :
لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ . . .
إلخ ، وقوله تعالى :
وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ . . .
إلخ ، وغير ذلك .
وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ
أي : يأتي به حاملا له على ظهره ورقبته ، معذبا بحمله ، وثقله ، ومرعوبا بصوته ، وموبّخا بإظهار خيانته على رؤوس الناس ، هذه الفضيحة التي يوقعها اللّه تعالى بالغالّ نظير الفضيحة التي يوقعها اللّه بالغادر في أن ينصب له لواء عند استه بقدر غدرته .
ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ :
تعطى جزاء ما كسبت وافيا غير ناقص ، وكان المناسب لما قبله أن يقال : ثم يوفى ما كسب ، ولكنّه عمّم الحكم ؛ ليدخل تحته كلّ كاسب من الغالّ وغيره ، فاتّصل به من حيث المعنى ، وهو أثبت ، وأبلغ .
وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ
فلا ينقص ثواب محسنهم ، ومطيعهم ، ولا يزاد في عقاب سيّئهم . وخذ ما يلي : فعن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - قال : قام فينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ذات يوم ، فذكر الغلول ، فعظّمه ، وعظّم أمره ، ثم قال : « لا ألفينّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء ، يقول : يا رسول اللّه أغثني ! فأقول ، لا أملك لك شيئا ، قد أبلغتك . لا ألفينّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس ، له حمحمة ، فيقول : يا رسول اللّه أغثني ! فأقول : لا أملك لك شيئا ، قد أبلغتك . لا ألفينّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة ، لها ثغاء ، يقول : يا رسول اللّه أغثني ! فأقول : لا أملك لك شيئا قد أبلغتك . لا ألفينّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفس ، لها صياح ، فيقول : يا رسول اللّه أغثني ! فأقول : لا أملك لك شيئا ، قد أبلغتك . لا ألفينّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق ، فيقول : يا رسول اللّه أغثني ! فأقول : لا أملك لك شيئا ، قد أبلغتك . لا ألفينّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت ، فيقول : يا رسول اللّه أغثني ! فأقول : لا أملك لك شيئا قد أبلغتك » . أخرجه الإمام مسلم ، وغيره . صححة الفرس : صوته دون الصهيل . الرّقاع : الثياب ، جمع رقعة وقيل : هي التي فيها الحقوق ، وخفوقها : حركتها ، والصّامت : الذهب ، والفضّة .