تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 282

مساهمون:

ص٢٨٢
جمّة ، وللابتلاء . أو عطف على قوله في الآية السابقة :
لِكَيْلا تَحْزَنُوا . . .
إلخ . وقدّر القرطبيّ - رحمه اللّه تعالى - ما يلي : فرض اللّه عليكم القتال ، والحرب ، ولم ينصركم يوم أحد ؛ ليختبر صبركم ، وليمحّص عنكم سيئاتكم ؛ إن تبتم ، وأخلصتم .
وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ :
إعرابه مثل إعراب ما قبله .
وَاللَّهُ :
الواو : حرف استئناف . (
اللَّهُ
) : مبتدأ .
عَلِيمٌ :
خبره ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها .
بِذاتِ :
متعلقان ب
عَلِيمٌ
و ( ذات ) مضاف ، و
الصُّدُورِ
مضاف إليه .

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 155 ]

إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ( 155 ) الشرح :
إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا
أي : انهزموا ، وهربوا منكم يا معشر المسلمين من ساحة الحرب . فهو خطاب لمن كان مع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم من المؤمنين يوم أحد ، وكان قد انهزم أكثر المسلمين ، ولم يبق مع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إلا أربعة عشر رجلا : سبعة من الأنصار ، وسبعة من المهاجرين : أبو بكر ، وعمر ، وعليّ ، وطلحة بن عبيد اللّه ، وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن أبي وقاص - رضي اللّه عنهم أجمعين - .
يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ
أي : الجيشان .
إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ
أي : طلب زلّتهم ، كما يقال : استعجله ، أي : طلب عجلته . أو المعنى : دعاهم إلى الزلّة ، وحملهم عليها بإلقاء الوسوسة في قلوبهم .
بِبَعْضِ ما كَسَبُوا
أي : بمعصيتهم النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، فالإضافة إلى الشّيطان لطف ، وتقريب ، والتعليل بكسبهم وعظ ، وتأديب ، وانظر قوله تعالى في سورة ( البقرة ) :
فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها .
وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ
أي : تجاوز اللّه ، وصفح عن الّذين هربوا يوم أحد ، فلم يعاقبهم بذلك ، وغفر لهم ، مع أنّ الهرب من ساحة الحرب من الموبقات السّبع كما ذكرته سابقا .
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ
غفور لمن تاب ، وأناب ، حليم : لا يعجّل بالعقوبة على من عصاه . وانظر ما ذكرته في الآية رقم [ 263 ] من سورة ( البقرة ) . هذا ؛ والعفو بمعنى ما ذكر كثير في القرآن الكريم كثرة لا تعدّ ، ولا تحصى ، كما يأتي (
عَفَا
) بمعنى الكثرة ، قال تعالى في سورة ( الأعراف ) رقم [ 95 ] :
ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا . . .
إلخ ؛ أي : حتى كثروا ، ونموا في أنفسهم ، وأموالهم ، من قولهم : عفا النبات ، وعفا الشّحم ، والوبر : إذا كثر . قال الحطيئة : [ الطويل ]
بمستأسد الغربان عاف نباته
وعفا المنزل ، يعفو عفاء ، : إذا انمحت آثاره ، ومعالمه ذهبت . قال الأخطل التّغلبي ، وهو الشاهد رقم [ 498 ] من كتابنا : « فتح القريب المجيب » : [ البسيط ]