تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 272

مساهمون:

ص٢٧٢
إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ :
تقتلونهم قتلا ذريعا . وقيل : معناه : تستأصلونهم بالقتل بأمر اللّه ، وقضائه ، وقدره . و ( الحسّ ) : الاستئصال بالقتل ، قال جرير : [ الوافر ]
تحسّهم السّيوف كما تسامى * حريق النّار في الأجم الحصيد
وقال آخر : [ الطويل ]
حسسناهم بالسّيف حسّا فأصبحت * بقيّتهم قد شرّدوا وتبدّدوا
حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ
أي : جبنتم ، وضعفتم ؛ إذ معنى الفشل : الضعف مع الجبن ، قال تعالى في الآية رقم [ 122 ] :
إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا
وقال تعالى في سورة ( الأنفال ) :
وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا .
وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ :
اختلفتم . والمراد : الرّماة الذين أقامهم الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم ردءا للجيش ، حين قال بعضهم : نلحق المنهزمين من الكفّار . وقال بعضهم : بل نثبت في مكاننا الّذي أمرنا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالثبوت فيه .
وَعَصَيْتُمْ
أي : خالفتم أمر الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في الثبوت ، وكان ثبت عبد اللّه بن جبير أمير الرماة في نفر يسير دون العشرة ممّن كان معه ، فلمّا رأى خالد بن الوليد ، وعكرمة ابن أبي جهل خلوّ الجبل من الرّماة ؛ حملوا على الرّماة الذين بقوا مع عبد اللّه بن جبير - رضي اللّه عنه - فقتلوهم ، وانقضّوا على المسلمين من خلفهم ، فدهش المسلمون ، وتحولت الريح دبورا بعد أن كانت صبا ، وانتفضت صفوف المسلمين ، واختلطوا ، فجعلوا يقتلون على غير شعار يضرب بعضهم بعضا ، وما يشعرون من الدّهش ، ونادى إبليس : إنّ محمدا قد قتل . فكان ذلك سبب هزيمة المسلمين . وذكرت لك فيما سبق : أنّ الذي قال : قتلت محمدا هو : عبد اللّه بن قمئة .
مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ :
من النّصر ، والظفر ، والغنيمة يا معشر المسلمين ! وذلك حين صرع صاحب لواء المشركين ، وولّوا الأدبار .
مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا
أي : الغنيمة . قال ابن مسعود - رضي اللّه عنه - : ما شعرنا أنّ أحدا من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يريد الدنيا ، وعرضها ؛ حتى كان يوم أحد ، والمراد بهم : من تركوا الجبل ، كما رأيت فيما تقدم .
وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ :
وهم الذين ثبتوا على الجبل مع أميرهم ، ولم يخالفوا أمر نبيهم صلّى اللّه عليه وسلّم .
ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ
يا معشر المسلمين بعد أن استوليتم على المشركين ، ردّكم عنهم بالانهزام ، والفشل ، ودلّ هذا على : أن المعصية مخلوقة للّه تعالى . وقالت المعتزلة : المعنى : ثم انصرفتم . فإضافته إلى اللّه تعالى بإخراجه الرّعب من قلوب الكافرين من المسلمين ابتلاء لهم ، قال القشيري - رحمه اللّه تعالى - : هذا لا يغنيهم ؛ لأنّ إخراج الرّعب من قلوب الكافرين حتّى يستخفّوا بالمسلمين قبيح عندهم ، ولا يجوز أن يقع من اللّه قبيح ، فلا يبقى لقوله تعالى :
ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ
معنى .
لِيَبْتَلِيَكُمْ :
ليمتحنكم ، ويختبركم ؛ ليميز المؤمن من الكافر ، ومن المنافق ، ومن يريد الدنيا ممّن يريد الآخرة .