تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 245

مساهمون:

ص٢٤٥
وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ
أي : إذا ثار بهم الغيظ ؛ كظموه ، بمعنى : كتموه ، فلم يعملوه ، وعفوا عمّن أساء إليهم ، وقد ورد في بعض الآثار : يقول اللّه عز وجل : « يا ابن آدم اذكرني إذا غضبت أذكرك إذا غضبت ، فلا أهلك فيما أهلك » . رواه ابن أبي حاتم . والغيظ : شدّة الغضب ، ومنه رجل كظيم ، ومكظوم : إذا كان ممتلئا غمّا ، وحزنا . قال تعالى في حقّ « يعقوب » على نبينا ، وعليه ألف صلاة ، وألف سلام :
وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ .
وقال تعالى في من يسوءه ولادة الأنثى :
ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ . *
وقال تعالى في حقّ « ذي النّون » على نبينا ، وعليه ألف صلاة ، وألف سلام :
إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ .
والغيظ : أصل الغضب ، وكثيرا ما يتلازمان ، لكن فرقان ما بينهما : أنّ الغيظ لا يظهر على الجوارح ، بخلاف الغضب ، فإنّه يظهر على الجوارح مع فعل ما ، ولا بدّ ، ولهذا جاء إسناد الغضب إلى اللّه تعالى : أنّه هو عبارة عن أفعاله في المغضوب عليهم ، وخذ ما يلي : فعن معاذ بن أنس - رضي اللّه عنه - : أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من كظم غيظا ، وهو قادر على أن ينفّذه ؛ دعاه اللّه سبحانه على رؤوس الخلائق حتّى يخيّره من الحور العين ما شاء » . رواه أبو داود ، والترمذيّ . وعن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - : أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « ليس الشّديد بالصّرعة ، إنّما الشّديد الّذي يملك نفسه عند الغضب » . رواه البخاريّ ، ومسلم ، وغيرهما . وانظر الترغيب ، والترهيب للحافظ المنذري ؛ إن أردت الزيادة .
وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ :
يعفون عمّن أساء إليهم ، أو ظلمهم ، والعفو عن الناس أجلّ ضروب فعل الخير ، والإحسان ، والأحاديث المرغّبة في ذلك كثيرة ، أكتفي منها هنا بما يلي : عن أبي كبشة الأنماريّ - رضي اللّه عنه - : أنه سمع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « ثلاث أقسم عليهنّ ، وأحدّثكم حديثا ، فاحفظوه . قال : ما نقص مال عبد من صدقة ، ولا ظلم عبد مظلمة صبر عليها إلّا زاده اللّه عزّا ، فاعفوا ؛ يعزّكم اللّه ، ولا فتح عبد باب مسألة إلّا فتح اللّه عليه باب فقر » . رواه أحمد ، والترمذي . وعن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - : أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، قال : « ما نقصت صدقة من مال ، وما زاد اللّه عبدا بعفو إلّا عزّا ، وما تواضع أحد للّه ؛ إلّا رفعه اللّه عزّ وجلّ » . رواه مسلم ، والترمذيّ . وروى أنس : أنّ رجلا قال : يا رسول اللّه ! ما أشدّ من كلّ شيء ؟ قال : « غضب اللّه » قال : فما ينجي من غضب اللّه ؟ قال : « لا تغضب » . قال العرجي : [ الكامل ]
وإذا غضبت فكن وقورا كاظما * للغيظ تبصر ما تقول وتسمع
فكفى به شرفا تصبّر ساعة * يرضى بها عنك الإله وترفع
وقال عروة بن الزّبير - رضي اللّه عنهما - في العفو : [ البسيط ]
لن يبلغ المجد أقوام وإن شرفوا * حتّى يذلّوا وإن عزّوا لأقوام