تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 243

مساهمون:

ص٢٤٣
رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « سبحان اللّه فأين اللّيل إذا جاء النّهار ؟ » قيل : معناه - واللّه أعلم بذلك - : أنّه إذا دار الفلك حصل النّهار في جانب ، والليل في ضدّ ذلك الجانب ، فكذلك الجنّة في جهة العلوّ ، والنار في جهة السّفل . وروى طارق بن شهاب : أن ناسا من اليهود سألوا عمر بن الخطاب - رضي اللّه عنه - وعنده أصحابه ، فقالوا : أرأيتم قولكم :
وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ
فأين النّار ؟ فقال : فأين الليل إذا جاء النهار ؟ فقالوا : إنّ لمثلها في التوراة . ومعناه : حيث يشاء اللّه تعالى . وقيل : هذا تمثيل للعباد بما يعقلونه ، ويقع في نفوسهم وأفكارهم ، وأكثر ما يقع في نفوسهم مقدار السماوات والأرض فشبه عرض الجنة بعرض السماوات والأرض على ما يعرفه الناس . هذا ؛ وقال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : تقرن السماوات والأرض بعضها إلى بعض ، كما تبسط الثياب ، ويوصل بعضها ببعض ، فذلك عرض الجنة ، ولا يعلم طولها إلا اللّه ، وهذا قول الجمهور ، وذلك لا ينكر . فإن في حديث أبي ذر - رضي اللّه عنه - عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « ما السّموات السّبع والأرضون السّبع في الكرسيّ إلّا كدراهم ألقيت في فلاة من الأرض ، وما الكرسيّ في العرش إلّا كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض » فهذه مخلوقات أعظم بكثير جدّا من السماوات والأرض ، وقدرة اللّه أعظم من ذلك كله . هذا وانظر ما ذكرته في الآية رقم [ 21 ] من سورة ( الحديد ) تجد ما يسرّك ، ويثلج صدرك ، هذا ؛ وفي الآية تشبيه بليغ حيث حذف أداة التشبيه ، وصرح بها في آية ( الحديد ) رقم [ 21 ] . بعد هذا : فقد حثّنا اللّه هنا إلى المسارعة إلى ما يوجب مغفرة الذنوب ، وحضّنا على المسابقة إلى مثل ذلك في سورة ( الحديد ) وقال في سورة ( المائدة ) رقم [ 48 ] :
فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ :
وانظر ما ذكرته في الآية رقم [ 148 ] من سورة ( البقرة ) ففيها شفاء ، ودواء لقلبك . تنبيه : حثّ اللّه سبحانه وتعالى في الآيات التي ذكرتها على المسارعة إلى الأعمال الصّالحة ، كما وصف أنبياءه بأنّهم كانوا يسارعون في الخيرات ، وهذا لا يناقض ما روي : « العجلة من الشيطان والتأنّي من الرّحمن » لأنه مستثنى منه ، كما أنّ هناك أمورا تسنّ المبادرة إلى فعلها ، كأداة الصّلاة المكتوبة إذا دخل وقتها ، وقضاء الدّين بحقّ الموسر ، وتزويج البكر البالغ إذا أتى الكفؤ لها ، ودفن الميت ، وإكرام الضّيف إذا نزل . وخذ ما يلي : فعن عليّ - رضي اللّه عنه - قال : قال رسول اللّه له : « يا عليّ ! ثلاث لا تؤخّرها ، الصّلاة إذا أتت ، والجنازة إذا حضرت ، والأيّم إذا وجدت كفؤا » . أخرجه الترمذيّ ، وجاء في الشعر العربيّ الحثّ على العجلة . قال بشار بن برد الأعمى : [ البسيط ]
من راقب النّاس لم يظفر بحاجته * وفاز بالطّيّبات الفاتك اللّهج
واختصره سلم الخاسر ، فقال : [ مخلّع البسيط ]
من راقب النّاس مات همّا * وفاز باللّذة الجسور