يقول : لا محلّ لها ؛ لأنها لم تحل محلّ المفرد . هذا وإن اعتبرت الجواب محذوفا ، تقديره : فهو آمن ، أو : فلا يحزن ؛ فالجملة الفعلية تكون تعليلا للجواب المحذوف ، وخبر المبتدأ الذي هو (
مَنْ
) مختلف فيه ، كما قد ذكرته لك مرارا ، والجملة الاسمية :
وَمَنْ يَعْتَصِمْ :
مستأنفة لا محل لها .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 102 ]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( 102 )
الشرح : قال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - في معنى هذه الآية : هو أن يطاع ، فلا يعصى ، ويشكر ، فلا يكفر ، ويذكر ، فلا ينسى . وقال مجاهد - رحمه اللّه تعالى - : هو أن تجاهدوا في اللّه حق جهاده ، ولا تأخذكم في اللّه لومة لائم ، وتقوموا بالقسط ؛ ولو على أنفسكم ، وآبائكم ، وأبنائكم . وعن أنس - رضي اللّه عنه - قال : لا يتّقي اللّه عبد حقّ تقاته حتى يخزن لسانه .
واختلف العلماء في هذا القدر من هذه الآية ، هل هو منسوخ ، أم لا ؟ على قولين : أحدهما : أنه منسوخ ، وذلك : أنّه لمّا نزلت هذه الآية ؛ شقّ ذلك على الصحابة الكرام ، وقالوا : يا رسول اللّه ! ومن يقوى على هذا ؟ ! فأنزل اللّه النّاسخ ، وهو قوله تعالى في سورة ( التّغابن ) :
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ .
وهذا قول ابن عباس ، وسعيد بن جبير ، وابن زيد ، والسّدّي . والقول الثاني : أنها محكمة غير منسوخة . وهو رواية عن ابن عباس أيضا ، وبه قال طاووس .
وموجب هذا الاختلاف يرجع إلى معنى الآية ، فمن قال : إنّها منسوخة ، قال :
حَقَّ تُقاتِهِ :
هو أن يأتي العبد بكل ما يجب عليه ، ويستحقّه . فهذا يعجز العبد عن الوفاء به ، فتحصيله ممتنع . ومن قال : إنّها محكمة ؛ قال :
حَقَّ تُقاتِهِ :
أداء ما يلزم العبد على قدر طاقته ، فكان قوله تعالى :
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ
مفسرا لحقّ تقاته ، لا ناسخا ، ولا مخصّصا ، فمن اتقى اللّه ما استطاع ؛ فقد اتّقاه حقّ تقواه . وقيل : معنى
حَقَّ تُقاتِهِ :
كما يجب أن يتقى ، وذلك بأن يجتنب جميع معاصيه . وقيل في معنى قول ابن عباس : هو أن يطاع فلا يعصى : صحيح ، والذي يصدر من العبد على سبيل الخطأ ، والسهو ، والنسيان غير قادح فيه ؛ لأنّ التكليف في تلك الحالات مرفوع عنه ، وكذلك قوله : وأن يشكر فلا يكفر ؛ فواجب على العبد حضور ما أنعم اللّه به عليه بالبال ، وأمّا عند السّهو ، والخطأ ؛ فلا يجب عليه . وكذلك قوله : وأن يذكر فلا ينسى ، فإنّ هذا إنّما يجب عند الدّعاء ، والعبادة ، لا عند السّهو ، والنسيان . انتهى خازن .
وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
أي : الزموا الإسلام ، ودوموا عليه ، ولا تفارقوه ؛ حتّى تموتوا .
فالنهي في اللّفظ عن الموت على غير الإسلام ، وهو في المعنى على غير ذلك ؛ إذ المعنى : لا تفارقوا الإسلام ؛ حتى تموتوا ، كما في قولك : لا تصلّ ؛ إلا وأنت خاشع . والمعنى صلّ الصلاة مقترنة بالخشوع . وقيل : المعنى : لا تموتن إلا وأنتم مخلصون ، مفوضون إلى اللّه أموركم ، تحسنون الظنّ باللّه ، عزّ وجل .