تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 93 ]

كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاَّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 93 ) الشرح : سبب نزول هذه الآية ، والتي بعدها : أن اليهود قالوا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم : إنّك تزعم : أنك على ملّة إبراهيم ، وكان إبراهيم لا يأكل لحوم الإبل ، وألبانها ، وأنت تأكل ذلك كلّه ، فلست على ملّته ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « كان ذلك حلالا لإبراهيم » . قالوا : كلّ ما تحرمه التوراة اليوم كان ذلك حراما على نوح ، وإبراهيم حتّى انتهى إلينا . فأنزل اللّه عز وجل :
كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ .
المعنى : ليس الأمر على ما تدّعيه اليهود من تحريم لحوم الإبل على إبراهيم ، بل كان ذلك حلالا على إبراهيم ، وإسماعيل ، وإسحاق ، ويعقوب ، وإنّما حرمه يعقوب - عليه السّلام - بسبب من الأسباب ، وبقيت تلك الحرمة في أولاده . فأنكر اليهود ذلك ، فأمرهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بإحضار التوراة ، وطلب منهم أن يستخرجوا منها : أن ذلك كان حراما على إبراهيم عليه السّلام ، فعجزوا عن ذلك ، وافتضحوا وبان كذبهم فيما ادعوا من حرمة هذه الأشياء على إبراهيم ، وفي هذا دليل على صحة نبوّة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ لأنه كان أميّا لم يقرأ الكتب ، ولم يعرف ما في التوراة ، فلمّا أخبر : أن ذلك ليس في التوراة ؛ علم : أنّ الذي أخبر به صلّى اللّه عليه وسلّم وحي من اللّه تعالى . وفيه دليل على جواز نسخ الأحكام ، وتغييرها ؛ لأنّ اليهود كانوا ينكرونه .
كُلُّ الطَّعامِ
أي : كل أنواع الطعام ، أو سائر المطعومات .
حِلًّا :
مصدر أخبر به عن جمع ، فهو يستوي فيه المفرد ، والمثنى ، والجمع ، والمذكر ، والمؤنث .
إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ :
فقد روى الطّبريّ بسنده عن ابن عبّاس - رضي اللّه عنهما - : أنّ عصابة من اليهود حضرت عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقالوا : يا أبا القاسم ! أيّ الطعام حرّم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أنشدكم باللّه الّذي أنزل التّوراة على موسى ، هل تعلمون أنّ إسرائيل مرض مرضا شديدا ، فطال سقمه منه ، فنذر للّه نذرا : لئن عافاه اللّه من سقمه ؛ ليحرّمنّ أحبّ الطّعام ، والشّراب إليه ، وكان أحبّ الطعام إليه لحم الإبل ، وأحبّ الشراب إليه ألبانها ؟ فقالوا : اللّهمّ نعم ! وكان سبب ذلك : أنه اشتكى عرق النّسا » وهو عرق يخرج من الورك ، فيستبطن الفخذين ، ثم يمرّ بالعرقوب ؛ حتى يبلغ الحافر .
قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها
فلم يأتوا بالتوراة إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . فثبت كذبهم ، وافتراؤهم ، فبهتوا ، ولعنوا بما قالوا . ونزلت الآيات رقم [ 160 ] : وما بعدها من سورة ( النساء ) تبيّن : أن هذا التّحريم كان عقوبة لليهود بسبب ظلمهم ، ومخالفتهم لأوامر ربّهم ، وكان ذلك في زمن موسى ، على نبينا ، وعليه ألف صلاة ، وألف سلام .
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 171 | الشيخ محمد علي طه الدرة