تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 77 ]

إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 77 ) الشرح :
إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ :
يستبدلون . ففيه استعارة تبعية ، فالاشتراء مستعار للاستبدال ، فعبر عنه بالاشتراء ؛ لأن الشراء إنما يكون فيما يحبّه مشتريه .
بِعَهْدِ اللَّهِ :
بما عهد إليهم في التوراة من الإيمان بمحمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ، ومن الوفاء بالأمانات ؛ التي عهد عليهم فيها .
وَأَيْمانِهِمْ :
بما حلفوا به من قولهم : لنؤمننّ به ، ولننصرنّه .
ثَمَناً قَلِيلًا :
عرض الدنيا ؛ إذ كل ما فيها قليل ، لا قيمة له بجانب الآخرة .
أُولئِكَ
الموصوفون بما ذكر .
لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ :
لا نصيب لهم في الآخرة ، ونعيمها الدائم ، وسعادتها الأبدية .
وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ
أي : تكليم رضا ، ورحمة ، وإنّما يكلّمهم تكليم سخط ، وغضب ، مثل قوله تعالى :
اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ .
وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ
أي : نظر رحمة ، ورضا ، وإنّما ينظر إليهم نظر سخط . ومقت ، وكلّ إنسان ، وكلّ مخلوق في هذا الكون لا يعزب عن علم اللّه أبدا . وقيل : المراد به هنا : الإعراض ؛ لأن من سخط على غيره ، واستهان به ؛ أعرض عنه ، وعن التكلّم معه ، والالتفات إليه ، والمرضي عنه بالعكس . و
يَوْمَ الْقِيامَةِ :
هو اليوم الذي يخرج الناس فيه من قبورهم للحساب والجزاء . وأصل القيامة : القوامة ، قلبت الواو ياء ؛ لانكسار ما قبلها .
وَلا يُزَكِّيهِمْ :
لا يطهّرهم من دنس الذنوب بالعذاب المنقطع ، إلى النعيم الدائم ، بل يخلدهم في النار .
وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ :
مؤلم . بعد هذا قال عكرمة - رحمه اللّه تعالى - : نزلت هذه الآية في أحبار اليهود ، ورؤسائهم : أبي رافع ، وكنانة بن أبي الحقيق ، وكعب بن الأشرف ، وحيي بن أخطب ؛ الّذين كتموا ما عهد اللّه إليهم في التوراة في شأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فبدلوه ، وكتبوا بأيديهم غيره ، وحلفوا : أنه من عند اللّه ، لئلا تفوتهم الرّشا ، والمآكل ؛ التي كانوا يأخذونها من أتباعهم ، وسفلتهم . وقال القرطبيّ - رحمه اللّه تعالى - : روى الأئمة عن الأشعث بن قيس - رضي اللّه عنه - . قال : كان بيني وبين رجل من اليهود أرض ، فجحدني ، فقدّمته إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « هل لك بينة ؟ » قلت : لا ، قال لليهودي : احلف ، قلت : إذا يحلف . فيذهب بمالي . فأنزل اللّه تعالى الآية . بعد هذا أقول : الآية تعمّ كل واحد يفعل شيئا من ذلك إلى يوم القيامة ؛ لأن خصوص السبب ، لا يمنع التعميم . وخذ ما يلي : فعن أبي أمامة - رضي اللّه عنه - : أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من اقتطع حقّ امرئ مسلم بيمينه ؛ فقد حرّم اللّه عليه الجنّة ، وأوجب له النّار » . فقالوا : يا رسول اللّه ! وإن كان شيئا يسيرا ؟ ! « قال : وإن كان قضيبا من أراك » . أخرجه مسلم . وعن عبد اللّه بن مسعود - رضي اللّه عنه - : أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من حلف على مال امرئ مسلم ، بغير حقّه ؛ لقي اللّه ؛ وهو عليه غضبان » .