تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 144

مساهمون:

ص١٤٤
مسدها ، والمعنى من أدى حقوق الناس ، ووفى بعهوده ، ووعوده ، واتقى اللّه ، وخافه في جميع تصرفاته ؛ فإنّ اللّه يحبه ، ويرحمه ، ويدخله جنته . هذا ؛ والمراد ب
مَنْ
الجماعة ، والناس ، وقد وضع الظاهر ؛ أي :
الْمُتَّقِينَ
موضع المضمر ، فإن الأصل : يحبهم ، وذلك لإظهار شرف الموفين بعهد اللّه ، والخائفين منه . هذا ؛ وقيل : نزلت الآية في عبد اللّه بن سلام - رضي اللّه عنه - وليس ذلك ببعيد ، ومع ذلك فهي تعمّ كلّ من يفعل ذلك إلى يوم القيامة ؛ لأن خصوص السبب لا يمنع التعميم . هذا ؛ و « بلى » حرف جواب ، ك ( نعم ) ، وجير ، وأجل ، وإي ، إلا أنّ « بلى » حرف جواب لنفي متقدّم ؛ أي : وإبطال ، ونقض ، وإيجاب له ، سواء دخله الاستفهام ، أم لا ؟ فتكون إيجابا له ، نحو قول القائل : ما قام زيد ، فتقول : بلى ، أي : قام . وقوله : أليس زيد قائما ؟ فتقول : بلى . أي : هو قائم ، قال تعالى في سورة ( الأعراف ) رقم [ 172 ] :
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى
قال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : لو قالوا : نعم ؛ لكفروا . هذا ؛ وعهد اللّه إلى خلقه ثلاثة عهود ؛ الأول : العهد الذي أخذه على جميع ذرية آدم - عليه السّلام - بأن يقرّوا بربوبيته ، وهو قوله تعالى في سورة ( الأعراف ) :
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا .
والعهد الثاني : خص به النبيين أن يبلغوا الرسالة ، ويقيموا الدّين ، وهو قوله تعالى في سورة ( الأحزاب ) رقم [ 7 ] :
وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ . . .
إلخ . والعهد الثالث : خصّ به العلماء من كلّ أمة ، وهو قوله في هذه السورة رقم [ 187 ] :
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ .
الإعراب :
بَلى :
حرف جواب في محل نصب مقول القول ؛ إذ التقدير : قل : يا محمد : بلى .
مَنْ :
اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ .
أَوْفى :
فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف في محل جزم فعل الشرط ، والفاعل يعود إلى (
مَنْ
) .
بِعَهْدِهِ :
متعلقان بالفعل قبلهما ، والهاء في محل جر بالإضافة .
وَاتَّقى :
الواو : حرف عطف . (
اتَّقى
) : معطوف على ما قبله ، فهو مثله في محل جزم ، والفاعل يعود إلى :
مَنْ
أيضا .
فَإِنَّ :
الفاء : واقعة في جواب الشرط . ( إن ) : حرف مشبه بالفعل .
اللَّهَ :
اسمها .
يُحِبُّ :
فعل مضارع ، والفاعل يعود إلى :
اللَّهَ .
الْمُتَّقِينَ :
مفعول به ، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ( إن ) . والجملة الاسمية :
فَإِنَّ اللَّهَ . . .
إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور ، والدسوقي يقول : لا محلّ لها ؛ لأنها لم تحلّ محل المفرد ، وخبر المبتدأ الذي هو (
مَنْ
) مختلف فيه ، كما رأيت فيما سبق ، هذا وإن اعتبرت (
مَنْ
) اسما موصولا ؛ فهي مبتدأ ، والجملة الفعلية بعدها صلتها ، والجملة الاسمية :
فَإِنَّ اللَّهَ . . .
إلخ في محل رفع خبرها ، ودخلت الفاء في الخبر ؛ لأنّ الموصول يشبه الشرط في العموم ، والجملة الاسمية
مَنْ أَوْفى . . .
إلخ على الوجهين مستأنفة ، لا محل لها . وقيل : جواب الشرط أو الخبر محذوف : تقديره : يحبه اللّه . ودل على حذفه قوله :
فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ
انتهى جمل نقلا من السّمين . وهو قول ابن هشام في المغني ، وعليه ؛ فالجملة الاسمية هذه تعليلية ، لا محل لها .
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 144 | الشيخ محمد علي طه الدرة