تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 29 ]

هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 29 ) الشرح :
هُوَ الَّذِي خَلَقَ :
معناه : اخترع ، وأوجد بعد العدم ، وقد يقال في الإنسان :
« خَلَقَ »
عند إنشائه شيئا ، ومنه قول الشاعر : [ مجزوء الكامل ]
من كان يخلق ما يقو * ل فحيلتي فيه قليله
هذا وقال البيضاوي - رحمه اللّه تعالى - : الفرق بين خلق ، وجعل الذي له مفعول واحد : أن الخلق فيه معنى التقدير ، والجعل فيه معنى التضمين . هذا ؛ وقال القرطبي - رحمه اللّه - : وفي أصل الخلق وجهان : الأول : الإنشاء ، والاختراع ، والإبداع ، قال اللّه تعالى :
وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً
الآية رقم [ 17 ] من سورة ( العنكبوت ) . والثاني : التقدير ، يقال : خلقت الأديم للسّقاء : إذا قدّرته ، قبل القطع ، قال الشاعر : [ الكامل ]
ولأنت تفري ما خلقت ، وبع * ض القوم يخلق ثمّ ولا يفري
ومعنى
لَكُمْ :
لأجلكم ، ولانتفاعكم به في دنياكم ، ودينكم ، أما الانتفاع الدّنيوي ، فظاهر ، وأما الانتفاع الدّيني ؛ فالنظر فيه ، وما فيه من عجائب الصّنع الدّالة على الصانع القادر الحكيم ، وما فيه من التذكير بالآخرة ، وبثوابها ، وعقابها . . . إلخ ، ولذا أوجز بعضهم القول فيه ، فقال : إنه دليل على التوحيد ، والاعتبار ، يدلّ عليه ما قبله ، وما بعده من نصب العبر : الإحياء ، والإماتة ، والخلق ، والاستواء إلى السماء ، وتسويتها . وقد استدل بهذه الآية ، وما كان مثلها ، كقوله تعالى :
وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ
الآية رقم [ 13 ] من سورة الجاثية ومثلها كثير : أنّ أصل الأشياء الّتي ينتفع بها الإباحة ؛ حتى يقوم الدّليل على الحظر ، والمنع .
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ :
الاستواء في اللغة : الارتفاع ، والعلوّ على الشّيء ، قال تعالى في سورة ( المؤمنون ) رقم [ 28 ] :
فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ ،
وقال جل ذكره في سورة ( الزخرف ) رقم [ 13 ] :
لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ
ويقال : استوت الشمس على رأسي ، واستوت الطّير على قمة رأسي ، بمعنى : علا . وهذه الآية من المشكلات ، والناس فيها وفيما شاكلها على ثلاثة أوجه : قال بعضهم : نقرؤها ونؤمن بها ، ولا نفسّرها ، وذهب إليه كثير من الأئمّة ، وهذا كما روي عن مالك - رحمه اللّه - : أنّ رجلا سأله عن قوله تعالى :
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
قال مالك : الاستواء غير مجهول ، والكيف غير معقول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة ، وأراك رجل سوء ، أخرجوه ! وقال بعضهم : نقرؤها ، ونفسّرها على ما يحتمل ظاهر اللّغة ، وهذا