تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 451

مساهمون:

ص٤٥١
عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ
. الآية رقم [ 36 ] من سورة ( التوبة ) . وقال الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه وسلّم في حجّة الوداع : « إنّ الزّمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللّه السّموات والأرض ، السّنة اثنا عشر شهرا ، منها أربعة حرم : ثلاث متواليات : ذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرّم ، ورجب الّذي بين جمادى ، وشعبان » . وسميت حرما لتحريم القتال فيها ، وكان القتال محرّما في هذه الأشهر في بدء الإسلام ، ثمّ نسخ هذا التحريم ، كما ستعرفه فيما يأتي إن شاء اللّه تعالى ، والمعنى : الشهر الحرام مقابل بمثله ، أي : فكما قاتلوكم فيه ؛ فاقتلوهم في مثله . ( الحرمات ) : جمع : حرمة ، وهي ما يجب المحافظة عليه من مال ، وعرض ، ونسب . هذا ؛ والحرام في الأصل كلّ ممنوع ، والحرمات كلّ ممنوع منك ممّا بينك وبين غيرك . وقولهم : لفلان بي حرمة ، أي : ممتنع من مكروهه . وحرمة الرّجل محظورة به عن غيره ، وقوله تعالى :
وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ
فالمحروم هو الممنوع من المال ، والتلذّذ به . والإحرام بالحجّ هو المنع من أمور معروفة ، وإنّما جمعت الحرمات ؛ لأن المراد حرمة الشّهر الحرام ، وحرمة البلد الحرام ، وحرمة الإحرام بالعمرة .
قِصاصٌ
أي : يجري فيها معاقبة ؛ أي : فكما هتكوا حرمة شهركم بالصّدّ عن دخول الحرم ، وقاتلوكم في الشهر الحرام ؛ فافعلوا بهم مثله ، وادخلوا عليهم عنوة ، فاقتلوهم ؛ إن قاتلوكم .
فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ :
انظر المشاكلة في الآية السابقة ، وانظر المعاقبة في الآية رقم [ 126 ] من سورة ( النّحل ) وانظر المجازاة والانتقام من المعتدي ، والظالم في الآية رقم [ 40 ] من سورة ( الشورى ) تجد ما يسرك ، ويثلج صدرك .
وَاتَّقُوا اللَّهَ :
خافوه ، فامتثلوا أمره فيما أمر ، واجتنبوا كلّ شيء عنه نهى ، وزجر ، وراقبوه في جميع أعمالكم ، وأقوالكم . وفيه التّحذير من مجاوزة الحدّ في الانتقام من المعتدي أكثر من اعتدائه . هذا ويؤخذ من قضاء الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم العمرة لمّا صدّ عن دخول مكة ، وأدائها على أنّ الشروع في الحجّ ، والعمرة ملزم بإتمامهما ، فإن منع المحرم من أحدهما من الإتمام لسبب من الأسباب ؛ وجب عليه القضاء لما منع من أدائه .
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ
أي : بالنّصر ، والمعونة ، والتأييد في الدنيا ، والآخرة . تنبيه : خرج المسلمون بصحبة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم للعمرة في شهر ذي القعدة في السنة السادسة للهجرة النّبوية ، فصدّهم المشركون ، ثم وقعت مفاوضات بين الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وبين المشركين ، وانتهت المفاوضات بعقد معاهدة الحديبية المشهورة ، ومن شروطها : أن يعود الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بالمسلمين هذا العام من غير عمرة ، على أن يعتمروا في العام القادم ، فلمّا أراد المسلمون قضاء العمرة في العام القادم في شهر ذي القعدة ؛ خافوا من معارضة قريش لهم ، وكرهوا قتالهم في