[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 5 ]
أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 5 )
الشرح :
أُولئِكَ :
الإشارة إلى الذين وصفوا بالآيتين السّابقتين بالصفات الحميدة ، والأعمال المجيدة ، هذا ؛ و
أُولئِكَ
جمع : ذلك ، وقد يجمع على أولالك ، وأنشد ابن السكيت : [ الطويل ]
أولالك قومي لم يكونوا أشابة * وهل يعظ الضّلّيل إلا أولالكا ؟ !
و
أُولئِكَ
لجماعة العقلاء ، وربما جاء في غير العقلاء ، قال جرير من قصيدة يهجو بها الفرزدق وهو الشاهد رقم [ 80 ] من كتابنا : « فتح رب البرية » : [ الكامل ]
ذمّ المنازل بعد منزلة اللّوى * والعيش بعد أولئك الأيّام
وقال تعالى في سورة ( الإسراء ) رقم [ 36 ] :
وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا
. هذا ؛ وقد قال العلماء : إنّ في قوله تعالى :
مِنْ رَبِّهِمْ
ردّا على القدرية ، والمعتزلة ، والإمامية في قولهم : إن الإنسان يخلق أفعال نفسه - تعالى اللّه عن قولهم - ولو كان كما قالوا ؛ لقال : « من أنفسهم » وقد تقدم الكلام فيه ، وفي الهدى . انتهى القرطبي . هذا وفي قوله تعالى :
عَلى هُدىً
استعارة تبعية بالحرف ، أي : تمكّنوا من الهداية التامة ، ويقال في إجرائها : شبّه مطلق ارتباط بين مهدي وهدى ، بمطلق ارتباط بين مستعل ومستعلى عليه بجامع التمكّن في كلّ ، فسرى التشبيه من الكليين للجزئيات ، ثم استعيرت « على » من جزئي من جزيئات المشبّه به لجزئي من جزيئات المشبّه على طريق الاستعارة التّصريحية التّبعيّة .
وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ :
الفائزون برضا اللّه ، الناجون من غضبه ، وعقابه ، فهو جمع اسم فاعل ، من : أفلح الرجل : فاز ببغيته ، ومراده ، وأصله ، « مؤفلح » فعل فيه ما فعل بما قبله ، وتكرّر اسم الإشارة لإظهار مزيد العناية بشأن المشار إليهم ، وأنهم جديرون بذلك الفضل الذي خصّهم اللّه به ، ومنحهم إياه ، هذا و « الفلح » أصله في اللغة : الشقّ ، والقطع ، ومنه فلاحة الأرضين ؛ أي : شقها للحرث ، ولذلك سمي الأكّار فلاحا ، ويقال للذي شقّت شفته السفلي ، أو العليا : أفلح ، والفلاح : البقاء ، والدوام ، قال الأضبط بن قريع السّعدي في الجاهلية الجهلاء : [ الرجز ]
لكلّ همّ من الهموم سعة * والمسي والصّبح لا فلاح معه
يقول : ليس مع كر اللّيل والنهار بقاء ، وقال آخر : [ الطويل ]
نحلّ بلادا كلّها حلّ قبلنا * ونرجو الفلاح بعد عاد وحمير