نزلت هذه الآية :
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ
قالت اليهود ، والنصارى : نحن نؤمن بالغيب ، فلمّا قال اللّه تعالى :
وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ
قالوا : نحن نقيم الصلاة ، فلما قال اللّه تعالى :
وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ
قالوا : نحن ننفق ، ونتصدّق ، فلما قال تعالى :
وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ
نفروا من ذلك ، ومثل ذلك في الآيتين رقم [ 155 و 156 ] من سورة ( الأعراف ) .
وَبِالْآخِرَةِ :
المراد بالآخرة : الحياة التي تكون بعد الموت ، وما فيها من نعيم مقيم ، أو عذاب اليم ، وهي الحياة الثانية الأبدية ؛ التي تكون بعد البعث ، والنشور ، وبعد الحساب ، والجزاء ، وهي في الجنة لمن آمن ، وعمل صالحا ، وفي النّار لمن كفر ، وعمل سيئا ، ورحم اللّه من يقول : [ البسيط ]
الموت باب وكلّ النّاس داخله * فليت شعري بعد الباب ما الدّار ؟
ورحم اللّه من أجابه بقوله : [ البسيط ]
الدّار جنّة عدن إن عملت بما * يرضي الإله وإن خالفت فالنّار
هما محلّان ما للنّاس غيرهما * فانظر لنفسك ما ذا أنت مختار ؟
و ( الآخرة ) : مشتقة من التأخّر ، لتأخرها عنّا ، وتأخّرنا عنها ، كما أنّ الدنيا مشتقة من الدّنو ، كما ستعرفه .
يُوقِنُونَ :
أي : بما بعد الموت ، عالمون علما ثابتا دون شك ؛ إذ الإيقان : العلم بنفي الشك والشبهة عند الاستدلال . وأصل الفعل : « يؤيقنون » فحذفت الهمزة على مثال ما سبق ، فصار الفعل « يويقنون » ثم حذفت الياء الساكنة لالتقائها ساكنة مع الواو ، فصار الفعل
يُوقِنُونَ
.
الإعراب : (
الَّذِينَ
) معطوف على ما قبله في الآية السابقة على جميع الوجوه المعتبرة فيه .
يُؤْمِنُونَ :
فعل مضارع مرفوع ، والواو فاعله ، والجملة الفعلية صلة الموصول ، لا محل لها .
بِما
جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما ، و ( ما ) : اسم موصول ، وضعف أبو البقاء الموصوفة ، قال : لأنه لا عموم فيه على هذا ، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء .
أُنْزِلَ :
فعل ماض مبني للمجهول ، ونائب الفاعل يعود إلى ( ما ) وهو العائد ، والجملة الفعلية صلتها ،
إِلَيْكَ :
جار ومجرور متعلقان بما قبلهما .
وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ
معطوف على ما قبله ، وإعرابه مثله ، والجار والمجرور متعلقان بما قبلهما ، وأجيز تعليقهما بمحذوف حال من نائب الفاعل المستتر ، وعليه ف
مِنْ
بيان لما أبهم في ( ما ) والكاف في محل جر بالإضافة .
(
بِالْآخِرَةِ
) : متعلقان بالفعل بعدهما .
هُمْ
مبتدأ ، وجملة
يُوقِنُونَ
في محل رفع خبره ، والجملة الاسمية معطوفة على جملة :
يُؤْمِنُونَ . . .
إلخ ، لا محل لها مثلها ، وهو أقوى من اعتبارها حالا .