تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 587

مساهمون:

ص٥٨٧
نكتة ، ذلك أن الوسوسة تمارس فعلها بواسطة قوى الأسماء نفسها ، والأسماء للّه ، ولهذا كان القلب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء ، والخلاف المقصود خلاف الأسماء ، فلقد فسر الخلاف في الآية بأن تقطع اليد اليمنى مع الرجل اليسرى ، فإذا كانت اليد اليمنى إشارة إلى اسم من أسماء الجمال ، فالرجل اليسرى تكون اسما من أسماء الجلال . . . أي أن الوسوسة تحاول ضرب الأسماء بالأسماء ليكون لها الظهور على القلب والظفر به . وقوله :
وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ،
إشارة إلى الكليات المعقولات . . . إذ سبق أن قلنا إن الرطب التي أكلت منها مريم النفس الكلية هي المعقولات الشريفة نفسها ، فالصلب في جذوع النخل محاولة حبس القلب في سجن المعقولات نفسها ، وهذا لا يريده اللّه للمؤمن التقي الذي دعاه ليكون أهلا لأن يسع اللّه نفسه كما ورد في الحديث القدسي . فكل اسم تعين ، لأن العلة تطلب المعلول ، وكل معلول يطلب علته ، ولهذا ترى كثيرا من المؤمنين العابدين الذاكرين مصابين بداء العجب ودعوى الأنية . . . ولهذا حذرت الصوفية من الوقوف عند حدود الأسماء دون تجاوزها إلى من له الأسماء أي اللّه سبحانه ، فإذا وقفت عند حدود صلاتك وصومك وزكاتك وتباهيت بأدائك الفرائض والنوافل فأنت قد تكون من المصلوبين في جذوع النخل ولا تعلم ، قال الإمام الواسطي : التقوى أن يتقي العبد من تقواه ، يعني من رؤية تقواه وقال الإمام الشاذلي : عابد عبد اللّه في جزيرة مائة عام ، فقيل له : ( أدخل الجنة برحمتي ) ، قال : بل بعملي ، وقال أيضا : الجناية برؤية الطاعات أكثر من الجناية بالمعاصي ، وقال الإمام الداراني : إنما يعجب بعمله القدرية الذين يزعمون أنهم يعملون أعمالهم ، أما الذي يرى أنه مستعمل فبأي شيء يعجب ؟ وقال المزين : العجب في العبد مقت من اللّه عز وجل ، وهو يؤدي إلى مقت الأبد . فالمطلوب الخلاص من دعوى الفعل ، ثم الصفة ، ثم الاسم ، ثم الذات وكلها تعينات ، إذ لولا التعينات ما كان ثم اسم ولا صفة ولا فعل ، ولهذا نادت فلاسفة الصوفية وشعراؤهم باللاتعين أي الهرب من سجن التعين إلى آفاق المطلق واللامتناهي واللامحدود . ولهذا كان جواب السحرة في الآية الثانية والسبعين :
فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ ،
فكل بلاء يصيب المؤمن يؤدي إلى تخليص العبد من أسر الحياة الدنيا ، أو الخلاص من التعين كما يقال في الفلسفة .

[ سورة طه ( 20 ) : الآيات 73 إلى 76 ]

إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى ( 73 ) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى ( 74 ) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى ( 75 ) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى ( 76 )