تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 589

مساهمون:

ص٥٨٩

[ سورة طه ( 20 ) : آية 79 ]

وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى ( 79 ) [ طه : 79 ] كل من يدعو إلى الإيمان بالعالم المادي فقط هو ضال ومضل ، وإلا فكيف يفسر تمخض الحضارة الغربية عن أمراض إدمان المخدرات والخمر والفجور الجنسي والأمراض الفتاكة والعقد النفسية والانتحار الذي وصل إلى أعلى نسبة له في بلاد المدنية نفسها ؟ . . وكيف يفسر عدم اكتفاء الإنسان الغربي بكل المتع التي تقدمها له الحضارة المادية ؟ قال عيسى عليه السّلام : ( ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان ) ، والمقصود بالخبز العالم المادي ، فللإنسان جانبه الروحي ، ومهما غرف من بحر الملذات فإن الروح فيه لها مطالبيها ، وترى كثيرا من الغربيين يحاولون الخروج من الوحدة التي هم فيها بالبحث عن طرائق جديدة للحياة ، ومنهم من يقصد الشرق ليدرس روحانيته عله يجد في ربوعه المشرقة ما يبحث عنه وينشده ، لقد وقف الإسكندر يوما أمام الفيلسوف الزاهد ديوجينز ثم قال له : سلني ما تريد ، فتأمله الزاهد ثم قال : أرجو ألا تحجب عني شعاع الشمس ، وكان ديوجينز جالسا يتدفأ بالشمس ، فالفيلسوف الزاهد كان زاهدا في كل ما كان للاسكندر من كنوزه ، ولم يكن ينشد إلا الحقيقة .

[ سورة طه ( 20 ) : الآيات 80 إلى 82 ]

يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى ( 80 ) كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى ( 81 ) وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى ( 82 ) [ طه : 80 ، 82 ] الطور الأيمن إشارة إلى الشق من القلب الذي يطل منه الروح فيهدي ويعلم ، وعلومه هي التي رمز إليها في الآية بالمن والسلوى ، وهذه العلوم هي المفيدة والمجدية ومن دونها فالإنسان محجوب مغضوب عليه .

[ سورة طه ( 20 ) : آية 83 ]

وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى ( 83 ) [ طه : 83 ] موسى إشارة إلى القلب الذي يتقدم الحواس التي رمز إليها بقوم موسى ، فالقلب في تجربة الكشف يسمع صوت الهداية ويرى البشائر ، بينما تكون الحواس شبه معطلة محبوسة مقيدة ليمارس الكشف فعله ، فالحواس مخلوقة لممارسة الحياة في العالم الخارجي ، وترى الذاكرة والخيال والمصورة والحواس الظاهرة مسخرة كلها للتلاؤم مع المحيط الخارجي والاستفادة من انطباعات هذا العالم . . . أما في تجربة الكشف فالآية معكوسة ، فلا يعود الإنسان في حاجة إلى استخدام حواسه ، بل إلى تعطيلها ليتمكن القلب من تأمل واستشراف عالم الروح ، ولهذا ترى المنام كشفا رؤيويا سمي في القرآن المقام اليوسفي حيث رأى يوسف ما رأى وتعلم من
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 589 | محمد غازي عرابي