تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 584

مساهمون:

ص٥٨٤
ونشاطاتها وخواصها . . . ولقد ربط بين النفس النباتية والنفس الحيوانية ، وذلك لأن هذين الاسمين لا يفترقان لدى الحيوان ولدى الإنسان الذي هو الحيوان الناطق ، ولهذا قال صلّى اللّه عليه وسلّم : ( كلكم لآدم وآدم من تراب ) ، وقال : ( أنا أبو الأرواح وآدم أبو البشر ) ، فابن آدم سليل التراب ، منه خرج ، وإليه يعود ، وفيه يفنى ، ولا يبقى منه إلا الذات الناطقة الشريفة التي تلحق بربها النور الشريف ، ولهذا كان تعريفنا للنفس بأنها نباتية أو حيوانية مرتبطا بالحياة الأرضية ، فلا نفس نباتية ولا نفس حيوانية تنفك من المادة ، وسبق أن قلنا : إن للظاهر وجهين ، الوجه الظاهر وهو الشكل أو ما يسمى في الفلسفة الامتداد ، والوجه الباطن وهو النفس ، أو الفكر ، ولقد ربطنا ما بين الفكر والنفس باعتبار الفكر نشاطا فيزيولوجيا بحتا آلته الدماغ ، وكونه أيضا نشاطا نفسيا ، أو هو قوة من قوى النفس ، ولهذا عرف الفارابي الفكر الذي سماه عقلا : بأنه قوة من قوى النفس مستعدة لأن تتنزع ما هيات الموجودات كلها صورها دون موادها ، وتلك الصور المنتزعة عن موادها الصائرة صورا في هذه الذات هي المعقولات . فلا فكر بلا دماغ ، ولا نفس بلا فكر ، ولا نفس بلا جسم ، والدورة كاملة متداخلة في بعضها بعضا ، وحركتها لولبية دائمة ، وعلى من أراد النجاة بروحه منها أن يسعى إلى الانفكاك من أسر التعين ليصير إلى اللاتعين الذي هو عالم المطلق والنور الشريف .

[ سورة طه ( 20 ) : آية 54 ]

كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى ( 54 ) [ طه : 54 ] الأكل ما تأخذه المعقولات من المحسوسات ، فلا معقول بلا محسوس يظهره ، ولولا خلق العالم المادي ما ظهر العالم الروحي وما فيه من كنوز ، والرعي إطعام الحواس الباطنية كالخيال والحافظة ، فهي ما كانت لتمارس عملها أيضا لولا وجود العالم المحسوس ، فالعالم المحسوس الشاشة التي ظهرت عليها صور العالم المعقول ، ولهذا ختمت الآية بالقول :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى ،
والنهى لب العقل وجوهره لا العقل وحده ، أو هو عقل العقل ، أي الوصول إلى العقل الكلي واكتشاف حقيقته وسره وفعله ، قال جلال الدين الرومي : الفكر شعاع الجوهر ، وقال : أيها المتعشق لعقله ، إعلم إن نور حسك قبس مستعاد من نور العقل الكلي ، إنه ذهب أشرق فوق نحاسك .

[ سورة طه ( 20 ) : آية 55 ]

مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى ( 55 ) [ طه : 55 ] سبق أن تحدثنا عن خلق النفس النباتية من المادة ، والعودة عودة النفس الترابية إلى التراب ، ولهذا قلنا : إن النجاة هي الوصول إلى عالم الروح المطلق ، وهذا هو الخروج الثاني الذي أشارت إليه الآية ، قال المسيح عليه السّلام : ( بحق أقول لكم لا يلج ملكوت السماوات