تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 562

مساهمون:

ص٥٦٢
خرج عن اللّه إلا هو ، وما ثمة خروج ولا دخول ، وما ثمة إلا كما قال سبحانه في سورة الإخلاص :
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ( 1 ) اللَّهُ الصَّمَدُ ( 2 ) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ( 3 ) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ( 4 ) ،
وكيف يكون المسيح ثالث ثلاثة ، والأعداد منبثقة من الواحد ، وقائمة بالواحد قيام البناء على أسسه ، ولا بناء من غير أساس . . . وكيف تكون البيضة بيضة إن نزع منها صفارها وبياضها ، ولم يبق إلا قشرتها إن قيل إن القشرة ثالث ثلاثة ، وما البيضة إن نظر إلى قشرتها فقط ؟

[ سورة مريم ( 19 ) : آية 38 ]

أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 38 ) [ مريم : 38 ] المشهد كشفي خاص بالأنبياء والأولياء العارفين ، وأشير إليه باليوم ، واليوم هنا هو اليوم الوجودي الإلهي الأزلي الخارج عن نطاق الزمان والمكان ، فهذا الوجود الحق هو السميع البصير ، والسامعون والمبصرون من الموجودات هم مثل النظارات للوجه الحق ، فهم له أدوات ، ولهذا وصفوا بصيغة المبالغة أي ما أسمعهم وما أبصرهم في يوم الجمع ، أي في اليوم الوجودي الحي الذي يكون الناس فيه ناظرين وسامعين بالحق وللحق .

[ سورة مريم ( 19 ) : آية 39 ]

وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 39 ) [ مريم : 39 ] في الحقيقة الأمر مقضي علم الناس هذا أم جهلوا ، وكيف لا يكون الأمر مقضيا وهو سبحانه لم يخرج منه سواه ، وما خرج منه دائم الخروج ، وهو خروج علمي لإظهار نفسه ، فظهوره به له . . .

[ سورة مريم ( 19 ) : آية 40 ]

إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ ( 40 ) [ مريم : 40 ] الوراثة نتيجة كون اللّه حقيقة كل شيء حتما ، فاللّه الوارث ، ولا تكون الوراثة يوم يقضي الأمر في ميقات معلوم فهذا غير جائز في حقه تعالى ، إذ ما دام الوجود بيضة نورانية كما سبق القول فالنتيجة أنه هو البيضة والبيضة هو ، فهو البائع والشاري ، سبحانه يطرح إمكاناته من الصفات والتعريفات والخصائص ، فيبذرها في أرض الإمكان ، فينفلق حب المعقول ، وينمو النبات ، ويعقد الزهر ، ثم يثمر ، حتى إذا حان القطاف فقطف سبحانه ما زرعه ، ويكون هو الوارث الوحيد ، وإلا فكيف يفسر أن يولد الإنسان طفلا ، ثم يتعلم حتى يصير عالما ، ثم يرد إلى أرذل العمر حتى لا يعلم من بعد علم شيئا ؟ وإذا ما كان علمه ذخرا للإنسانية وحصادا ووفرا في حصالة ، وإذا حصالة الإنسانية نتاج الجهد الإلهي الذي كان كنزا مخفيا كعروق الذهب والماس المدفونة في الأرض ثم تستخرج وتصفى وتصاغ جواهر ودررا ونفائس زينة للناظرين . . . كذلك اللّه سبحانه كان كنزا مدفونا في ذاته ، ثم أخرج كنزه يأيدي خلقه ، حتى
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 562 | محمد غازي عرابي