تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 561

مساهمون:

ص٥٦١

[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 33 إلى 35 ]

وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ( 33 ) ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ ( 34 ) ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 35 ) [ مريم : 33 ، 35 ] قلنا : ممثل الاسم الحي مثل يحيى ، وهو ممثل الروح الكلي أيضا المسمى في علوم الصوفية الإنسان الكامل ، والذي وصفه ابن عربي بأنه الروح المدبر للكون ، فالحديث إذن عن الروح ، والروح سر من أسرار اللّه ، وهو فيض عن اللّه وإشعاع ، وهو وسيط بين اللّه والعالم ، وهو المفوض بالخلق والأمر نيابة عن الحق وواسطة ، وكنا بينا كيف رفض ابن عربي أن يكون في الوجود إلا اللّه وأنه هو الوجود الحق ، وأن الكثرة وهم ، وهي قائمة بالحق ، فالحق لم يلد لأنه لا يوجد من يلده ، وكيف يلد الوجود الحق وجودا آخر ؟ ولهذا سمت الصوفية الوجود العياني الوجود النسبي والإضافي ، أي أن له بالوجود الحق تعلقا واستنادا ، قال جلال الدين الرومي متسائلا : إنه ليس موجودا أي الإنسان ، وإنه موجود ، فكيف يكون هذا ؟ إن هذا الأمر خارج عن تخيل العقل .

[ سورة مريم ( 19 ) : آية 36 ]

وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ( 36 ) [ مريم : 36 ] في قوله :
رَبِّي وَرَبُّكُمْ ،
الإشارة إلى الربوبية التي هي أساس وأرض كل حي ، فالربوبية تقتضي المربوبية ، ولهذا وجد المربوبون نتيجة لوجود الربوبية ، ولولا الربوبية ما كان ليوجد المربوبون ، وهذا الجمع للكثرة ، هو الذي أشير إليه في الآية بأنه :
رَبِّي وَرَبُّكُمْ ،
فلا رب في الوجود سوى الرب الواحد ، وبين الرب والمربوب علاقة سميت في الكتاب الصراط المستقيم ، والصراط الطريق ، فالعلاقة هي الطريق أو الحبل الذي إليه أشار سبحانه بقوله في موضع آخر :
ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
[ هود : 56 ] . فالصراط تعلق المربوب بالرب ، وتعلق الدواب بخالق الدواب ، وإلى الدواب أشير في موضع آخر بقوله سبحانه :
أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ
[ النّمل : 82 ] ، فهذه الدابة جامعة ، وصاحب الدابة الروح ، وصاحب الروح الحق .

[ سورة مريم ( 19 ) : آية 37 ]

فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 37 ) [ مريم : 37 ] اختلاف الأحزاب اختلاف الاعتقاد في المسيح ، فهل هو اللّه ، أو ابن اللّه ، أو ثالث ثلاثة ؟ ويقول ابن عربي في تفسيره : إنه لا موسى موجودا ولا عيسى ولا محمد ، ويقصد ابن عربي الوجود الحق الذي تحدثنا عنه آنفا ، فالوجود كله بيضة ، الحق صفارها ، والروح بياضها ، والعالم العياني قشرتها ، فكيف يكون المسيح اللّه وهو صوته ولسانه ، وكيف يكون ابن اللّه وما