[ سورة مريم ( 19 ) : آية 51 ]
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا ( 51 )
[ مريم : 51 ]
المخلص المصطفى ، وقد قرئت بالكسر أيضا ، فيكون الإخلاص سببا للاصطفاء ، وتقول الصوفية : لو لم يحبهم اللّه ما أحبوه ، فالبدء المشيئة الإلهية ، ويتبع هذا أن يتوجه العبد إلى ربه .
[ سورة مريم ( 19 ) : آية 52 ]
وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا ( 52 )
[ مريم : 52 ]
الطور الأيمن إشارة إلى الجانب الأيمن من النفس أي الجانب الروحي الذي تشارفه النفس كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : ( إني لأجد نفس الرحمان من جانب اليمن ) ، وتأكيد ذلك اتباع النداء بالقول وقربناه نجيا ، فالقرب إذن ذاتي قلبي ، ولهذا جاء في الحديث القدسي : ( ما وسعتني السماوات ولا الأرض ولا الجبال ووسعني قلب عبدي المؤمن اللين ) ، فالقلب متى جلي اصطفي وصار أهلا للمناجاة ، والحقيقة أن المناجاة دائمة وإلا لما كان الإنسان ولما سمي إنسانا ، لأن اللّه قال في موضع آخر في وصف النفس :
وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها ( 7 ) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها
[ الشمس : 8 ، 7 ] ، وقال :
ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ
[ المجادلة :
7 ] ، فأضاف مناجاته إلى نجوى البشر ، فتكون النتيجة أن نجوى البشر ونجوى اللّه نجوى واحدة ، ولهذا عرف الإنسان في الفلسفة بأنه : حيوان ناطق ، فنطق الإنسان إلهي وإلا لما نطق . . . بل إن الحيوانات لتنطق بألسنتها مسبحة للّه ولكننا لا نفقه تسبيحهم ، فما من شيء في الوجود إلا هو موضع المناجاة ، ولهذا يحاور الإنسان نفسه ظانا أنه يحاور نفسه ، وما يحاور إلا ربه ولا يعلم ، ولهذا قال سبحانه :
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ
[ ق : 16 ] .
أما نجوى الأنبياء والوارثين فهي على علم وإدراك ووعي ، فالنبي والولي مدركان النجوى الذاتية ، وهما يعلمان من يناجيان ، وكيف تتناجى المخلوقات بما في ذلك البشر ، فإذا كلم النبي نفسه ، فإنما هو يكلم ربه ، وكذلك إذا سمع الصوفي كلام البشر عرف من الناطق على ألسنة البشر ، قال الإمام علي رضي اللّه عنه : ( كلم اللّه موسى بلا جوارح وأدوات ولا شفة ولا لهوات ) ، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : ( ما منكم من أحد إلا سيكلمه اللّه كفاحا ليس بينه وبينه ترجمان ) .
وقال سقراط : منذ طفولتي يلازمني وحي هو عبارة عن صوت يطوف بي فينهاني عن بعض ما أكون قد اعتزمت أداءه .
[ سورة مريم ( 19 ) : آية 53 ]
وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا ( 53 )
[ مريم : 53 ]
الإشارة إلى الصوت القدسي الذي يؤيد الإنسان وينصره وهو في الخلوة فيكون له نعم الأخ ونعم النصير .