تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 560

مساهمون:

ص٥٦٠
أن النفس الكلية لا يمكن أن تكون مصدر إشعاع هذه العلوم . . . هذا ما يقوله أعداء علماء التوحيد الذين يأبون إلا أن يكون الوحي قد انقضى زمانه ، وأن اللّه أو روحه الأمين لم يعد يوحي إلى أحد ، ناسين أو متناسين قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : ( إن اللّه ليبعث على رأس كل قرن من يجدد لهذه الأمة أمر دينها ) ، وقوله : ( علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل ) ، وقوله : ( واشوقاه إلى أخوتي الذين يأتون من بعدي ، هؤلاء أنبياء لا أولياء ) ، وعلق ابن عربي على الحديث قائلا : يريد بذلك نبوة القرب والإعلام والحكم الإلهي لا نبوة التشريع ، لأن نبوة التشريع انقطعت بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فهؤلاء متنبئون بعلوم الأنبياء من غير واسطة .

[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 29 إلى 32 ]

فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ( 29 ) قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ( 30 ) وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا ( 31 ) وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا ( 32 ) [ مريم : 29 ، 32 ] الملاحظ في الآيات ورود ذكر عبد اللّه الذي يذكر بالعبد الصالح الذي لقيه موسى عند مجمع البحرين ، ويقول الإمام الغزالي : من اطلع على كنه حقيقة الملكوت انكشف له حقائق أمثلة القرآن على يسر ، فما ورد في القرآن من أمثلة لها تأويل واحد ، وعبد اللّه هو الولادة المعنوية التي سبق أن تحدثنا عنها ، وكما قال عبد الكريم الجيلي : فالولادة من البطن ، والبطن الباطن ، فالولادة باطنية ، وقلنا : مريم النفس الكلية التي تطهرت واصطفيت ، فالنفس إذن تلد الغلام الذي هو عبد اللّه ، والذي هو من روح اللّه ، والذي سينطق بالعلم الإلهي لأنه هو ممثل العلم الإلهي نفسه . . . والإشارة إلى علم العارف الجديد الذي ينقله من مقام إلى مقام ، والتاريخ يقص علينا كيف كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إنسانا عاديا يتاجر ويتنقل مع القوافل بين الحجاز والشام إلى أن هبط عليه الوحي فكان ما كان من أمره ، واحتل بالتالي مكانة ما تزال أعناق العلماء لها خاضعين ، ولقد كان جلال الدين الرومي فقيها يدرس الفقه ، فإذا هو بعد الاصطفاء والاجتباء والتعليم الإلهي يصير شاعرا ملهما وموحدا صوفيا ربانيا أتى بالعجب العجاب من الأشعار ، وكذلك كان الإمام الغزالي أستاذا يدرس في المدرسة النظامية ببغداد ، فإذا به يهجر التدريس وأصحابه وأهله ، ويهاجر إلى الشام ، وينتقل بين دمشق والقدس بضع سنين ، حتى إذا أتم تعليمه على الحق سبحانه عاد إلى الناس بعلمه الجديد ، وهو علم حير الناس إلى زماننا هذا ، ويكفي الغزالي فخرا أن يكون الفيلسوف الموحد الأول الذي حد للعقل حدوده ، وقال إن وراء العقل فلكا آخر أعلى وأرقى وأعلم هو فلك الإلهام والوحي والعلم اللدني ، ويكفي الغزالي فخرا أن يكون قد سبق الفيلسوف كانط بألف سنة حين جعل الأخلاق أساسا يشيد عليها صرح العلم ، وأنه لا علم باللّه بلا أخلاق ، وأن السبيل إلى معرفة اللّه هو جلو القلب لا تكريس العقل ومعلوماته لإثبات وجود اللّه .
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 560 | محمد غازي عرابي