الذي تحدثنا عنه ، ووصفه أفلوطين بأنه صدور ، ووصفه آخرون بأنه إشعاع ، وقال السهروردي الأصل نور الأنوار الأول ، والفرع النور المعار ، والحقيقة أن محاولة حد حدود الأنا وحصرها مستحيل ، فإذا كان هذا الحصر مستحيلا ، والإنسان يحيا أناه ، فكيف في الوسع أن يشهد صاحب الأنا خلقها أو خلق السماوات والأرض ؟
[ سورة الكهف ( 18 ) : آية 52 ]
وَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً ( 52 )
[ الكهف : 52 ]
الشركاء الأسماء ، وقلنا : العالم كله مظاهر الأسماء وصورها ومنها صور الأوثان ، وقلنا :
لكل إنسان اسمه بما في ذلك الضار والمنتقم ، وقوله :
نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا ،
يعني ارتباط الأسماء وصورها بالذات وقيامها بها بصدورها عنها صدورا نورانيا شعاعيا ، وعند الكشف يرى المكاشف الناس منضوين تحت لواء الأسماء ، ويرى الأسماء في قبضة القهار فلا يبقي من ثم رسم ولا اسم ولا صفة ، وهذا هو معنى قوله تعالى في موضع آخر :
لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ
[ غافر : 16 ] ، فلا موجود حق إلا الوجود الحق ، وقوله :
وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً
[ الكهف : 52 ] ، يعني أن بين المشركين والحق واديا من جهنم يهلكون فيه ، إذ معنى وبق هلك ، والمعنى أن المشركين في جهنم ، وجهنم الحجاب ، وهم فيها هالكون لأنهم وإن بقوا فهم أشباح عالم الإمكان .
[ سورة الكهف ( 18 ) : آية 53 ]
وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً ( 53 )
[ الكهف : 53 ]
في الحقيقة يرى المجرمون النار دائما لأنهم فيها دائما ، وهذا معنى كون المشرك في قبضة اسمه ، فخاطر السوء والوسوسة يحكم المشرك ، وحكمه له هو سجنه إياه ، ولهذا ختمت الآية قائلة :
وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً
.
[ سورة الكهف ( 18 ) : آية 54 ]
وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً ( 54 )
[ الكهف : 54 ]
اللّه مثير الجدل كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : ( القلب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء ) ، فالجدل وإن بدا سلبيا وشرا إلا أنه يفسر قوله تعالى في موضع آخر :
باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ
[ الحديد : 13 ] ، فلو لا الجدل ما كان الإنسان إنسانا ، والإنسان من غير الجدل هو كالبهيمة بل هو أضل سبيلا ، لأنه بالجدل يبدأ الإنسان هجرته إلى اللّه .
[ سورة الكهف ( 18 ) : آية 55 ]
وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلاً ( 55 )
[ الكهف : 55 ]
الإنسان ضال حتى يهدى ، ويكون هديه بانفجار نور الهداية في قلبه ، ولهذا سمى الحق