الكتاب اللوح المحفوظ أي النفس الكلية ، وهو لوح القضاء والقدر وفيه تفصيل كل شيء ، فعلى مستوى الكليات فهي فيه ثابتة معلومة سماها سبحانه الأسماء الحسنى ، وعلى مستوى الجزئيات فهو فض ما في الكليات وفق تقدير مسبق هو القضاء المحكم ، ثم وفق تقدير زماني صيروري يلائم تطور أحداث الزمان والمكان هو القضاء المبرم كما سماه عبد الكريم الجيلي ، وقلنا في كتابنا النصوص في مصطلحات التصوف : إن كل ما يقع في الكون هو فض للقضاء ، وضربنا لهذا مثلا الشريط السينمائي يكون في علبته قبل العرض ، حتى إذا وضع في آلة العرض عرض ما عنده . . . وعليه فاللّه عليم بما حدث وما يحدث وما سيحدث ، وهو يحصى أعمال الأنفس وفق العلم القضائي القدري ، ووصف هذا الإحصاء في الآية بتساؤل المجرمين :
يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها
كما ختمت الآية بالقول :
وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ،
أي أن اللّه يضع الشيء في موضعه ، وهو صنع بديع محكم لا سبيل إلى تبديله ، ولهذا كان سبحانه القاهر القادر المحصي والمعيد سبحانه إنه بكل شيء عليم وعليه حفيظ ، قال الإمام الغزالي : كل ما قسم اللّه تعالى بين عباده من رزق وأجل ، وسرور وحزن ، وطاعة ومعصية ، وإيمان وكفر ، وعجز وقدرة ، فكله عدل لا جور فيه بل هو على الترتيب الواجب الحق على ما ينبغي ، ولما ينبغي ، وبالقدر الذي ينبغي .
[ سورة الكهف ( 18 ) : آية 50 ]
وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً ( 50 )
[ الكهف : 50 ]
قلنا : إن إبليس انشطار الذات شطرين أحدهما إبليس الممثل للفسوق والعصيان ، أي الخروج على الإرادة الإلهية ، وهو خروج مرسوم لإحداث التضاد والتناقض في الكون ، وإلا لما كان للّه في حاجة إلى خلق إبليس وخلق إرادة الفسوق فيه ، إذ جاء في الآية أن إبليس فسق عن أمر ربه ، فالانشطار الذاتي هو بدء الخليقة والخلق ، وآخره الانشطار الذري الذي تكتشف العلماء اليوم قواه وإمكاناته وتستخدمه في جميع المجالات .
[ سورة الكهف ( 18 ) : آية 51 ]
ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً ( 51 )
[ الكهف : 51 ]
خلق الأنفس أعظم عظة وعبرة ، وقال الشاعر : لي نفس ، غير أني لست أدري ما هيه . . .
فمتى تدرك نفسي كنه نفسي لست أدري ، ورغم أن الإنسان يعيش بأنيته ، ويشعر كل ذي نفس بنفسه ، ويقول أنا وأنا ، إلا أنه يبقى جاهلا ماهية هذه الأنا وجوهرها وأصلها ، وكيف تحكم الجسد وتفعل فيه ، وكيف تولد وتحيا وتموت ، وخلق الأنا داخل في مجال الانشطار الذاتي