قال الإمام الغزالي : كل من لم يكن له نصيب من علوم المكاشفات أخشى عليه سوء العاقبة ، وقال الإمام المرسي : من لم يتغلغل في هذه العلوم مات مصرا على الكبائر وهو لا يعلم .
[ سورة الكهف ( 18 ) : آية 47 ]
وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً ( 47 )
[ الكهف : 47 ]
اليوم المذكور يوم إلهي خارج على مقولة الزمان الوجودي ، وسبق أن تحدثنا عن هذا اليوم ، ووصفه سبحانه بأنه مثل خمسين ألف سنة مما يعد البشر . . . وهذا اليوم لا بداية له ولا نهاية ، لأن اللّه صاحب هذا اليوم هو بلا ابتداء ولا انتهاء .
وقوله :
نُسَيِّرُ الْجِبالَ
يعني الديمومة الحية ، وقد أثبت العلم الحديث أن الجبال وكل ما هو مادي يسير لأنه يتألف من ذرات أي كهارب سالبة تدور حول كهارب موجبة ، وأنه إذا كفت الجاذبية عن ممارسة نشاطها سارت الجبال وغيرها ، إذ تعود ثانية إلى ذر قديم هو السديم الأول . . . أما الناس فكما ذكر سبحانه في موضع آخر فيصيرون كالعهن المنفوش وذلك بسبب تفكك عناصر كيانهم أيضا وعودته إلى ذرات .
وبروز الأرض انكشاف حقيقتها التي هي قيامها باللّه لا بنفسها ، وأن من كوّنها من ذر وكورها ودحاها وبسطها هو الذي يعيدها كما كانت من قبل التكثف والتصلب .
وقوله :
وَحَشَرْناهُمْ
يعني الحشر الجامع أو الحشر الدائم أيضا ، إذ متى كان الناس متفرقين من حول اللّه حتى يقبضهم إليه ثانية ويحشرهم ؟ فالحشر يعني كون الناس في القبضة وهذا ما ختمت به الآن قائلة :
فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً ،
إذ لا وجود لأحد في الحقيقة ، أي في حقيقة الحشر ، ولا وجود بحق إلا للوجود الحق الذي هو الحق .
[ سورة الكهف ( 18 ) : آية 48 ]
وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً ( 48 )
[ الكهف : 48 ]
الصف العيون أي عيون الممكنات أو الأعيان الثابتة ، فالفرد مدرج في الكلي ، والكلي حاو له ، وعند العرض لا مجال لبروز الجزئي بل للكليات ، ولهذا تابعت الآية قائلة :
لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ،
فمن الأعيان الثابتة يخرج البشر وغير البشر ، ولهذا قال أفلاطون بالمثل ، وقال إنها موجودة فعلا في عالم هو غير العالم المادي . . . أما نحن فقلنا : إن الوجود واحد ظاهر باطن ، ولا يمكن فصل الظاهر عن الباطن ، ولا العيان عن العين ، ولا الأعيان الظاهرة عن الأعيان الثابتة ، ولهذا وافقنا أرسطو الذي قال باللافصل .
[ سورة الكهف ( 18 ) : آية 49 ]
وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ( 49 )
[ الكهف : 49 ]