الإنسان نفسه ، أو يكتشف أنها ليست له بل هي جزء من كلي عالمي ، ولهذا جاء في ختام الآية :
فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً
أي حوت النفس .
[ سورة الكهف ( 18 ) : آية 64 ]
قالَ ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً ( 64 )
[ الكهف : 64 ]
الارتداد عملية الاستبطان التي يقوم بها صاحب الخلوة بعد أن دعي إليها ، فبعد الخروج إلى العالم ثمة عودة إلى عالم النفس والتفكير فيها وفي آلائها وأسرارها ، فعلم الحقيقة قائم على معرفة النفس .
[ سورة الكهف ( 18 ) : آية 65 ]
فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً ( 65 )
[ الكهف : 65 ]
العبد الروح الجواني الكلي الذي هو المعلم أولا وآخرا بما ضمنه اللّه من المعلومات الماورائية والحسية ، فهذا المعلم ما فارق الإنسان قط ، فهو اللائم من النفس اللوامة ، وهو الهادي في النفس المطمئنة ، ثم هو أخيرا مرشد الإنسان إلى عين اليقين بعد اعتكاف القلب في محراب العبادة الخالصة التامة .
[ سورة الكهف ( 18 ) : آية 66 ]
قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً ( 66 )
[ الكهف : 66 ]
الرشد تمام العقل وبلوغه كماله ، ولهذا نجد سبب تسمية الفيلسوف كانط الضمير القانون الأخلاقي ، فالرشد هو القانون ، والمرشد صاحب القوانين الأزلية التي تحكم الكون على جميع الصعد .
[ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 67 إلى 68 ]
قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ( 67 ) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً ( 68 )
[ الكهف : 67 ، 68 ]
علم الحقيقة علم ثقيل بحاجة إلى صدور ذات سعة ، وقال الإمام علي رضي اللّه عنه مشيرا إلى صدره : ( إن ههنا علما لو أجد له حملة ) ، وعلم الحقيقة الكائن في الروح لا يطيقه العقل ، والعقل درجات ومن فروع هذا العلم علم التوحيد الجامع للخير والشر ، والإنسان لا يصل إلى علم التوحيد الحقيقي ما لم يكشف عنه الغطاء ، وتجد الإنسان قبل الوصول إلى صخرة اليقين مؤمن بأناه ، أولا ، وهو يحاسب الناس على الخير والشر ، ويؤمن بأن الخير من عند اللّه والشر من الإنسان ، ولهذا يلوم الناس بعضهم بعضا ، ويغتاب بعضهم بعضا ، فكل نزاع شجر بين شخصين أصله وقوف أنيتين مجابهة بسبب خلاف ما ، قال الإمام الكردي : ما ترى الناس يغضبون إلا لحجابهم عن شهود أن اللّه تعالى هو الفاعل لكل ما برز في الوجود ، وشهودهم الفعل من جنسهم ، ولو أنهم سلكوا الطريق لوجدوا الفعل للّه تعالى ببادئ الرأي ، فلا يجدون