تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 521

مساهمون:

ص٥٢١

[ سورة الكهف ( 18 ) : آية 14 ]

وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً ( 14 ) [ الكهف : 14 ] الربط على القلب مد القوى الإنسانية بالقوة الإلهية ومنها القلب المهتدي إلى اللّه بإذن اللّه ، وما دام اللّه الهادي المضل فالفكر الذي هو القلب في تقلبه يتقلب بين الشمال واليمين بإذن ربه . . . ولهذا كان ثم رابطة بين الربط على القلب وبين الإيمان برب السماوات والأرض ، فإذا أراد اللّه أن يهدي عبدا يشرح صدره للإسلام ، وإذا شرح صدره آمن ، وقال اللسان :
رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ،
فالعملية إذن عكسية تبدأ من اللّه وتنتهي بالعبد ، لا كما يظن الناس أن المؤمن هو الذي آمن ، والتصرف حكيم فصلنا الكلام فيه من قبل ، وأوردنا الأحاديث الدالة على أن القضاء هو السابق والحاكم ، وأن ليس للعبد من الأمر شيء ، فالكون تحكمه المشيئة ، وتسيره الإرادة كما تسير الأجرام في أفلاكها . . . ولا عجب فقانون السببية الذي اكتشفه الفلاسفة والعلماء هو حق مع ملاحظة أن اللّه مسبب الأسباب .

[ سورة الكهف ( 18 ) : آية 15 ]

هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْ لا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً ( 15 ) [ الكهف : 15 ] قلنا من قبل إن الآلهة هي صور الوجود الظاهرة ، واتخاذ الآلهة من دون اللّه النظر إلى الصور دون استشفاف من وراءها من مصور ، ولهذا تابعت الآية قائلة :
لَوْ لا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ ،
فلا دليل على أن هذه الصور هي الحقيقية وهي الفاعلة ، وإن بدت ظاهرة وفاعلة ، ولهذا قالت الأشاعرة : أن لا دليل على أن النار سبب الإحراق ، وإن ربط بين العلة والمعلول كما هو ملاحظ ظاهرا ، وتابع الإمام الغزالي الحفر في أرض العلة والمعلول إلى أن وصل كشفا إلى الكشف عن أن اللّه مسبب الأسباب .

[ سورة الكهف ( 18 ) : آية 16 ]

وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً ( 16 ) [ الكهف : 16 ] الحواس وإن كانت طوع الإنسان إلا أنها ملك اللّه تعالى ، وهي باللّه تعمل وتفعل ، وضربنا مثلا في كتابنا الإنسان الكبير عمل الذاكرة التي قد تلبي صاحبها وقد تخونه . . . وترى الذي يحاول أن يتذكر أمرا نسيه ، تراه يبذل جهده ، وقد يفلح في تذكره وقد لا يفلح ، وقد يتذكر لاحقا ما أراد تذكره سابقا وذلك من دون استدعاء ، فالذاكرة إذن حاسة تخدم الإنسان ، وهي عنده مستودعة ، ولكنها ليست ملكه بل ملك اللّه خالقها ومسيرها . وعلى هذا فالفتية الذين أووا إلى الكهف هم كالحواس التي نصفها بأنها إلهية ، حيث ينشر