تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 419

مساهمون:

ص٤١٩
هلاك الظالمين يتم بفعل نور الكشف اليقيني نفسه الذي يري القلب الرؤيا الجامعة الكاشفة عن أن اللّه بكل شيء محيط ، وأن الهدى والضلال منه ، وأن مشيئته قاهرة ، ولو شاء لهدى الناس أجمعين . فالكافرون كفروا بإذن اللّه وبهدف حث الاسم المؤمن وتعيناته على ممارسة نشاطه وإمكاناته . فمن دون هذه الإثارة ما كان ثم حاجة إلى أن يواجه المؤمن الكافر ويتحداه ، ويخوض الحرب ضده من أجل إعلاء كلمة الحق . وعندما يتبين المؤمن هذه الحقيقة الجامعة يعلم علم اليقين أن الكافر ممحوق مغلوب على أمره مأخوذ بناصيته طوعا أو كرها وهو جاهل لا يدري . وهذه الغلبة للمؤمنين هي النصر المبين ، إذ يستريح القلب بالكشف من الحرب والصراع والتناقض ، ويتحقق قوله تعالى في إبراهيم :
يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ
[ الأنبياء : 69 ] .

[ سورة إبراهيم ( 14 ) : آية 14 ]

وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ ( 14 ) [ إبراهيم : 14 ] الأرض أرض الخلافة الآدمية ، وقال سبحانه في موضع آخر :
أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها
[ النّساء : 97 ] ، والمعنى أن السالك بوصوله إلى عين الجمع قد صارت الأرض كلها ملكه ، لأن كل ما على الأرض أسماء والأسماء للّه ، وقد صارت لخليفته الوارث بحكم الوراثة .

[ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 15 إلى 18 ]

وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ( 15 ) مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ ( 16 ) يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ ( 17 ) مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ ( 18 ) [ إبراهيم : 15 ، 18 ] جهنم من جهنام وهي بئر بعيدة القعر ، هكذا قال ابن عربي . والبعيد إشارة إلى اسمه البعيد ، والبئر هي التي ألقي فيها يوسف ، والمعنى أن في البعد عن اللّه عذابا ، ذلك لأنه لا يبقى لصاحب النفس الجزئية إلا نفسه الجزئية ، ونفسه الجزئية محجوبة أولا ومحكومة من قبل الأهواء وقوتي الشهوة والغضب ثانيا ، ثم أي أمل يبقى للكافرين إذا آمنوا بأن الوجود وجد مصادفة ، وأن لا إله إلا الطبيعة ، ولا عقل إلا العقل الإنساني الجزئي ؟ فالنتيجة ضياع وعبث ولا جدوى ، وهذه شعارات رفعتها الوجودية الحديثة .

[ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 19 إلى 20 ]

أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ( 19 ) وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ ( 20 ) [ إبراهيم : 19 ، 20 ] الخلق الجديد الموحدون الذين تعاقبوا في التاريخ منذ زمن آدم . فلقد اشتهرت الوحدانية