تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 341

مساهمون:

ص٣٤١
عبدا في كتابه ) فهذا الفهم الذي خص اللّه به عبدا هو ما سماه سبحانه التأويل ، أي استنباط المعاني البعيدة في كتاب اللّه . وقوله :
وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ
له صلة بقوله تعالى في موضع آخر :
قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ
[ الحجرات : 14 ] ، فالإسلام درجات ، ومنها درجة التكليم الذي قال فيه عليه السّلام : ( ما منكم من أحد إلا سيكلمه اللّه كفاحا ليس بينه وبينه ترجمان ) ، وهذا المقام ما يخص اللّه به العبد المصطفى فيعلمه تأويل الأحاديث ، وما جعل اللّه في كتابه من معنى بعيد واللّه سبحانه يقول إن التأويل إلهي له ميقات محدد كما قال ابن عباس : ( لا تفسروا القرآن الزمان يفسره ) .

[ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 40 إلى 42 ]

وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ ( 40 ) وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ( 41 ) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ ( 42 ) [ يونس : 40 ، 42 ] لما كان القرآن كتاب الجمع وصدوره عن العين الجامعة كان صدوره وحي أسماء ، ولما كانت الأسماء ضروبا منها المتآلفة ومنها المتضادة كان وحيها ضروبا أيضا ومنها الوحي الحاجب الذي أبقى بعض الناس محجوبين لحكمة ، وهؤلاء المحجوبون هم المبعدون الذين قال فيهم سبحانه في موضع آخر :
وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً ( 45 ) وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً
[ الإسراء : 45 ، 46 ] ، فبين سبحانه أنه هو الذي جعل الحجاب بين القرآن والكافرين ، والنتيجة أن القرآن يقرأ بالقلب قبل العقل ، فمن كان ذا قلب سليم تقبل القرآن وفهمه وتأثر به وانفعل ، حتى أن أبا بكر كان يبكي إذا قرأه حتى يسمع بكاؤه من الطريق . . . أما من كان قلبه مقفلا كما قال سبحانه :
أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها
[ محمّد : 24 ] فهو لا يتقبله ، ولا يؤمن به ، ويرفضه كما كان حال أبي جهل وأبي لهب حين كانا يسمعان كلام اللّه . وللبحث صلة بموسيقى الروح من جديد ، ونضيف أن هذه الموسيقى تذوق وذوق ، والتذوق أعمق جذورا من الفكر لأنه ذو صلة بالشعور والوجدان ، ولهذا قلنا إن كثيرا من الأعاجم يقرؤون القرآن ، وينفعلون ، ويبكون ، وهم لا يكادون يفقهون إلا قليلا منه ، فصلة القرآن بالإنسان صلة روحية والروح وجود سابق على الفكر ، وهو أصل له ، والروح خالد والفكر مادي قابل للزيادة كما في حال بلوغ الأشد ، وقابل للنقصان كما في حال بلوغ الكبر .

[ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 43 إلى 44 ]

وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَ فَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ ( 43 ) إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 44 )