تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 340

مساهمون:

ص٣٤٠
ومحبوبا ومفهوما من قبل العامة والخواص والصغير والكبير والأمي والمثقف والعالم والجاهل بل والأعاجم الذي يقرؤونه فلا يكادون يفقهون إلا القليل مما جاء فيه ، وهم مع هذا ينفعلون ويتأثرون ويهتزون ، وتفيض أعينهم من الدمع لدى قراءتهم له وترنمهم بهذه الموسيقى الخفية المشعة من الكلمات والحروف بحيث تنفذ إلى الوجدان مباشرة قبل أن تخاطب الفكر والعقل . والقرآن أبدي يتجدد تأثيره كل يوم حتى إن الإنسان ليقرأه ويعيد قراءته طوال حياته فلا يمل منه ، ويجد في كل قراءة حلاوة ، وصفة كهذه لا توجد في الكتب إلا بنسب مختلفة في حين تبلغ نسبته في القرآن حدا يبلغ المعجزة ، وكم من أناس ولدوا وعاشوا وماتوا وليس لهم سمير ولا صاحب ولا خليل إلا القرآن . وللقرآن الفضل الأول والأخير في حفظ اللغة العربية من الاندثار والزوال كما حدث لمعظم اللغات القديمة ، فلو لاه لحلت محل العربية الفصحى اللهجات المحلية التي لا يوجد لها حصر والتي تتغير مع الأيام حتى لتجد هذه اللهجات تكاد أحيانا أن تكون غريبة تماما عن الفصحى ، وقد داخلها ما دخلها من الكلمات الأعجمية والمستجدة . والقرآن أصل اللغة ، فقواعد اللغة رفعت أصلا على أسس من القرآن ، وما من دارس للعربية متخصص ، حتى وإن كان غير مسلم ، إلا ويعتمد القرآن اعتمادا مطلقا ، وينطلق منه أساسا لتعلم العربية . ولا يزال هذا الكتاب وسط الأمواج الخافضة الرافعة المبعدة المقربة يعلو فوق كل مد ويتأبى على كل جزر ، وبقيت أسسه وأصوله جبلا شامخا منيعا هو منارة للإنسان وحمى وملجأ لكل مستجير باحث عن الحقيقة . ولو كان القرآن من عند غير اللّه لما ثبت كل هذه القرون ، في وجه تقلبات الأيام التي ما تزال تأتي كل حين بجديد ، فتدك صروحا شامخات ، وتقيم صروحا جديدة ، وتقترح وتصحح وتصوب ، حتى إذا جاء المد عاد الجديد قديما والصواب خطأ إلا هذا الكتاب الإلهي الذي يعلو فوق كل زمان .

[ سورة يونس ( 10 ) : آية 39 ]

بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ( 39 ) [ يونس : 39 ] تأويل القرآن من التحديات التي جاء اللّه بها الناس ، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : ( ما من آية من آيات القرآن إلا ولها ظهر وبطن ، ولبطنه بطن إلى سبعه أبطن ) ، وسئل الإمام علي : هل خصكم رسول اللّه بشيء دون الناس ؟ فأجاب : ( لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهما يؤتيه اللّه عبدا في