تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 293

مساهمون:

ص٢٩٣
إبراهيم :
وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً
[ البقرة : 124 ] ، ثم الإحسان ، وهو رؤية وجهه سبحانه الجامع لليمين والشمال ، والذي هو الوجود الجامع للظاهر والباطن ، وإليه أشار البسطامي قائلا : إذا رآه العارفون أول مرة ، جعل لهم سوقا ما فيه بيع ولا شراء إلا الصور من الرجال والنساء ، فمن دخل منهم السوق لا يرجع إلى زيارة اللّه أبدا ، والإحسان هو مقام المكاشفة ، حيث يرقى العارج في سماوات المقامات ، وأخيرا هناك درجة القربى وهي للمحققين المشاهدين ، وسمي هذا الكشف المشاهدة ، وفيها يتم فناء الذات الجزئية في الذات الكلية ، ويضمحل الرسم ، ويبقى الاسم وحده شاهدا على عظمة الذات الأحدية الظاهرة بالأسماء .

[ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 5 إلى 6 ]

كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ ( 5 ) يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ( 6 ) [ الأنفال : 5 ، 6 ] الإخراج من البيت بمثابة الإخراج من القلب ، حيث يجد العارج نفسه معلقا في السماء ، لا هو من أهل الأرض ، ولا من سكان السماء ، وهذا الخروج نفي الأنا برؤيتها وجه اللّه وظل اللّه ومجال اللّه المتحرك ، ويسمى هذا المقام الفناء حيث تفنى القطرة في البحر ، ويوهب العبد من ثم البقاء باللّه .

[ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 7 إلى 8 ]

وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ ( 7 ) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ( 8 ) [ الأنفال : 7 ، 8 ] هذا الدين دين الجهاد ، وكان أول ما أمر به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بعد الدعوة هو الجهاد والمجاهدة ، وظاهرا يبدو الأمر بظهور المؤمنين على المشركين ، وباطنا هناك حركة الفلق الأسمائية ، إذ بينا أن الاسم لا ينفلق ما لم يجاهد المسلم المشرك أولا ، وسمى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم هذا الجهاد الجهاد الأصغر ، ثم يجاهد المسلم نفسه ثانيا ، وسمي النبي هذا الجهاد الجهاد الأكبر ، ومن دون الجهاد لا إسلام أي لا سلام ، ولهذا ارتبط الظفر بالبرد والسّلام اللذين فاز بهما إبراهيم عليه السّلام ، ارتبط بإلقاء إبراهيم في النار ، والنار نار التناقض ، والتناقض يعني المخالفة ثم المجاهدة فالذين يفرون من الجهاد ، ويرغبون عن النصب ، ويخافون الموت هم من الجاهلين لأن اللّه تابع قائلا :
وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ
والكلمات اقتضت الجهاد ، وإلا لما كان اللّه في حاجة إلى دعوة المسلمين إلى الجهاد ، وهو القائل :
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً
[ هود : 118 ] ، وقال :
وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ
[ النّحل : 9 ] .
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 293 | محمد غازي عرابي