تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 296

مساهمون:

ص٢٩٦

[ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 19 إلى 21 ]

إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ( 19 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ ( 20 ) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ( 21 ) [ الأنفال : 19 ، 21 ] الفتح اليقين ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم : ( تعلموا اليقين كما تعلموا القرآن حتى تعرفوه ، فإني أتعلمه ) ، فالناس درجات وأعلاهم درجة المقربون المؤهلون لتلقي أنوار الفتوحات الفياضة التي أهلت ابن عربي لكتابة « الفتوحات المكية » ، والغزالي لكتابة « إحياء علوم الدين » . والآيات تدعوا المؤمنين إلى هذا الفتح المبين ، وتربأ بالمؤمن عن الوقوف عند حدود الجنان كما قال البسطامي : للّه عباد لو بدت لهم الجنة بزينتها لضجوا منها كما يضج أهل النار من النار .

[ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 22 إلى 23 ]

إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ( 22 ) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ( 23 ) [ الأنفال : 22 ، 23 ] الدابة النفس الحيوانية ذات التعلق بالمادة ، ولا وجود لها من دونها ، وصنف الحق الدواب درجات ، وجعل أقلها منزلة ما كان منها صما وبكما ، وقال سبحانه في موضع آخر واصفا هؤلاء :
أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ
[ الأعراف : 179 ] ، وقال أيضا :
فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ
[ الأعراف : 176 ] ، فالإنسان إن لم يحقق الغاية من خلقه انحط إلى درجة البهائم بل سفلها أيضا .

[ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 24 إلى 25 ]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ( 24 ) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ( 25 ) [ الأنفال : 24 ، 25 ] الحيلولة بين المرء وقلبه هي ما أشار إليها صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله : ( القلب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء ) ، فالخواطر ملكه سبحانه وجنده ، والقلب مستودعه ، وهو فيه فعال لما يشاء ، ولهذا سمي الإنسان عبدا . وقوله :
بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ
يعني أن الإنسان غير قلبه ، وأنه الفكر ماش على قدميه ، والفكر هنا غريزة يتهيأ بها درك العلوم أو كما قال الفارابي : هيئة ما في مادة ما معدة لتقبل رسوم المعقولات ، أما القلب فهو اللطيفة الإلهية المودعة في القالب لتكون مجال فعل اللّه ونشاطه .