تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأخلاق في القرآن — صفحة 334

مساهمون:

ص٣٣٤
ثلثي مكيال المعاشرة ، ومفهومه هو أنّ الإنسان لا ينبغي أن يعيش الغفلة وعدم الاطلاع بالنسبة إلى مسائل الحياة والمعيشة بل يجب الانتباه واليقظة والتعامل مع الأمور بدقّة متناهية ليحرز بذلك خيره وصلاحه ، ولكن من جهة أخرى يجب عليه أن يعيش « التغافل » بالنسبة إلى الأمور الّتي ينبغي عليه التغافل عنها وجعلها في زاوية النسيان والاهمال من قبيل التفكير في المسائل الجزئية للحياة والّتي ليست بذات قيمة ، لأنّ التفكر في مثل هذه الأمور والسفاسف بإمكانه أن يمنع الإنسان من التفكير في المسائل الأهم منها ، وكذلك اخفاء عيوب الآخرين المستورة في الموارد الّتي تستوجب المصلحة ذلك فإنّ التغافل في مثل هذه الموارد يعتبر أمراً محموداً . 2 - وقد ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام قوله « مِنْ اشْرَفِ اعمالِ الْكَريمِ غَفْلَتُهُ عَمَّا يَعْلَمُ » « 1 » . 3 - وفي حديثٍ آخر عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال : « مَنْ لَمْ يَتَغَافَلْ وَلَا يَغُضَّ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الاموُرِ تَنَغَّصَتْ عِيْشَتُهُ » « 2 » . وبديهي أنّ الحياة الدنيا لا تخلو من بعض الأمور الّتي قد تحدث للإنسان من غير توقع أو لا تسير الحياة كما هو المطلوب وكما يريد لها الإنسان ، فلو أنّ الشخص قد تحرّك في تعامله مع الحياة من موقع الفحص والدقّة في جزئيات الأمور وعاش الفضول في حياة الآخرين وأخذ يحاسبهم ويعاتبهم على كلّ صغيرة وكبيرة فإنّ حياته ومعيشته سوف تتنغص ويتفرق الآخرون من حوله . ونختم هذا البحث بالحديث الشريف الوارد عن أمير المؤمنين عليه السلام أيضاً حيث يقول « وَعَظِّموُا اقْدَارَكُمْ بِالتَّغَافُلِ عَنِ الدَّنِّيِ مِنَ الامُورِ . . . وَلَا تَكوُنوا بَحَّاثِينَ عَمَّا غَابَ عَنْكُمْ ، فَيَكْثُرُ عَائِبُكُمْ . . . وَتَكَرَّموُا بِالتّعَامِي عَنِ الاسْتِقْصَاءِ » « 3 » . ومن هذا الحديث وكذلك بعض الأحاديث الأخرى يستفاد جيداً أنّ هذا المفهوم « التغافل » لا يرد إلّا في الموارد الجزئية والصغيرة من سفاسف الحياة والواقع الاجتماعي .
هامش
( 1 ) . نهج البلاغة ، الكلمات القصار ، الرقم 222 . ( 2 ) . غرر الحكم ، ح 9149 . ( 3 ) . بحار الأنوار ، ج 75 ، ص 64 .