( 29 / 7 ) ، وكما ترى فإنه لا توجد لفظة صيام ضمن هذه النصوص ، إلا أن بعض المفسرين - وليسوا جميعا - قالوا إن « تذليل النفس » لا يكون إلا بالصيام ، وعلى ذلك جعلوا يوم الكفارة هو يوم صيام ، أي امتناع عن الطعام والملذات ، من العشاء حتى العشاء ، وهذا هو الصيام الوحيد المفروض ، وهو عبارة عن يوم واحد ولم يكن هناك سواه إلا الصيام التطوعى ، فقد ورد أن داود صام للّه علّه يبقى له ولده ، فلما مات لم يجد مبررا لصيامه فقال : « لمّا كان الصبى حيّا صمت وبكيت ، لأنى قلت من يعلم ، لعل اللّه يرحمني ويحيا الصبى ، وأما الآن فقد مات ، فلما ذا أصوم ؟ » ( الملوك الثاني 12 / 22 - 23 ) . ولعله لهذا قد يكون الحديث النبوي عن صيام داود حديثا موضوعا لا أصل له ، أو تكون قصة التوراة عن داود ملفقة ولا أساس لها ، وتتصادم بشدة مع مزامير داود ، وفيها تظهر شدة تقواه وخوفه من اللّه . وكلام داود السابق في سفر الملوك لا ينبئ عن تقوى ولا حتى إيمان باللّه . والصيام كان اليهود ينادون به أحيانا في الشدائد لعلها تنفرج - كما فعل عزرا ( 8 / 21 ) ، وقد تفعل الجماعة الصوم معا - الصوم الجماعي - كصيام بني إسرائيل في سفر نحميا ( 9 / 1 ) ، فكلما استشعرت الجماعة الخطأ لجأت إلى الصيام تكفيرا . ولم يكن مجرد الإمساك عن الطعام ، وإنما العزوف عن الملذات طلبا للرحمة ( إشعيا 58 / 3 ) ، وقد صام الناس في عهد زكريا الشهور : الرابع ، والخامس ، والسابع ، والعاشر ، تذكارا لحصار أورشليم ، وكانوا يفترشون المسح والرماد ولا يغتسلون ، ويصرخون ويتضرعون ويبكون ( أشعياء 22 / 12 ) ؛ وكانت حنّة النبيّة تتعبّد دوما بالصوم والصلاة ؛ وصام الفريسيون يومى الاثنين والخميس من كل أسبوع ( لوقا 18 / 12 ) ، وكانوا في صيامهم يراءون ( متى 6 / 16 - 18 ) . ولم يكن اليهود يصومون السبت ، ولا الأهلّة ، ولا الأعياد . ولما جاء المسيح - وهو يهودي أصلا - وأمه مريم يهودية ، لم يصم - لا هو ولا تلاميذه في حياته ، إلا أن المسيحيين من بعده صاموا في مناسبات خاصة ( أعمال الرسل 13 / 1 و 23 / 14 / ) ، وذلك هو كل الصيام عند اليهود والنصارى . وجاء في التوراة عن موسى أنه على طور سيناء : « أقام أربعين يوما وليلة لم يأكل خبزا ولم يشرب ماء وكان يكتب كلام العهد على اللوحين » ( الخروج 34 / 28 ) ، فلم يذكر صراحة أنه صيام بالمعنى الاصطلاحي ، ولم يكن إمساكه أو عزوفه عن تكليف ولكنه طوعى . وفي القرآن عن ذلك :
وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ
( البقرة 51 ) ، فلو كان إمساكه عن الطعام والشراب صياما ، لذكره صراحة . وفي سفر الملوك الأول ، أن إيليا أمره الملك أن يأكل ويشرب استعدادا للطريق الطويل أمامه : « فقام وأكل وشرب وسار بقوة تلك الأكلة أربعين يوما وأربعين ليلة إلى جبل حوريب » ( 19 / 8 ) ، وذلك ليس صياما بالمعنى الاصطلاحي ، لأنه كصيام موسى يخلو من النية ، وليس كذلك الصيام في الإسلام ، لأنه