بعضهم ببعض ، ونزغه الشيطان إلى المعاصي ، يعنى حثّه ، فالنزغ نفسي ، وهو كالوسوسة ، والاستعاذة باللّه تنجى من النزغ أيا كان مصدره ، فلما كان نزغ النفس يقدر الإنسان عليه ، فإن نزغ الشيطان لا بد فيه من عون اللّه . وفي الرواية أن السلف قال لتلميذه : ما تصنع بالشيطان إذا سوّل لك الخطايا ؟ قال : أجاهده . قال : فإن عاد ؟ قال : أجاهده . قال :
فإن عاد ؟ قال : أجاهده . قال : هذا يطول ! أرأيت لو مررت بغنم فنبحك كلبها ، ومنعك من العبور ، ما تصنع ؟ قال : أكابده وأردّه جهدي . قال : هذا يطول عليك ، ولكن استغث بصاحب الغنم يكفّه عنك - يعنى استعذ باللّه واستنجد به يعنك .
* * *
1459 - ( الطائف من الشيطان يمسّ النفس )
الطائف في قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ
( 201 ) ( الأعراف ) ، هو ما يتخيّل في القلب أو يرى في النوم ، والمعنى : أن الذين اتقوا المعاصي ، إذا لحقهم شئ تفكّروا في قدرة اللّه وفي إنعامه عليهم فتركوا المعصية .
والطيف والطائف بمعنى واحد ، قيل هو ، التخيّل ، وما تتخيله قد يظل في النفس ، أو تخرجه فيكون الشيطان ويسمى طائفا ، اسم فاعل من طاف يطيف ، فكأن الطائف الذي يطوف بالنفس إما أن يكون نفساني ويحبس داخلها ، أو يكون شيطانى ويخرج عن إطارها . والطائف يكون أيضا ملاكا ، كقوله :
فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ
( 19 ) ( القلم ) ، مثلما نقول لمة النفس ، ولمة الشيطان ، ولمة الملك ، واللّمة : هي التي تلم بصاحبها . والجنون ، والغضب ، والوسوسة ، جميعها تسمى طيفا ، لأنها لمة وتشبّه بلمّة الخيال .
* * *
1460 - ( المس من الشيطان )
تذكر الآية في المرابين أنهم :
الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ
( 275 ) ( البقرة ) ، والشيطان لا يتخبّط أحدا من المس ، كقوله تعالى :
إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ
( 42 ) ( الحجر ) وإنما هو مثل مما يعرفه الناس ، ولا يعنى أن ذلك حقيقة علمية ، فالشيطان جنس ، والإنسان جنس آخر ، ولا تماس بينهما ، والممسوس في الطب الشعبي هو - علميا - المريض المصاب بالهستيريا ، ولكن العامة ترد ذلك إلى فعل الشيطان ، وكل إنسان له شيطان يوسوس إليه أن يحيد عن الصواب ، وذلك هو نزغ الشيطان ، ولكنه لا يجبر أحدا على شئ ، وليس بوسعه ذلك .
والأمراض أسبابها نفسية بدنية وليس من أسبابها مسّ الشيطان .
* * *