يعود إلى عمله الأول . وأما الثاني فمصيبته أكبر لأنه رأى أنه يحمل الخبز فوق رأسه تأكله الطير ، وحلمه من نوع ما يسمونه في علم التأويل بالأحلام المكشوفة ، وهي التي تفسّر نفسها ، ولم يكن هناك من تفسير للحلم إلا أنه سيدان ويصلب ويترك في العراء لتأكل الطير من رأسه . وأما حلم فرعون كما يرويه الملك :
إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ
( 43 ) ( يوسف ) ، فهو من الأحلام الكاشفة ، أي التي تكشف عن المستقبل ، ولقد صدقت فكانت رؤيا صادقة ، والصدق المستقبلى دليل على صحة التفسير ، والإنباء طريقة من طرق التحقق من صدق التفسير ، وهذا الحلم تجتمع فيه كل حيل الأحلام من التكثيف ، والإبدال ، والقلب ، والنكوص ، والترميز ، والإخراج الدرامي . ولو حلم بهذا الحلم فلاح أو عامي لكان تفسيره تفسيرا آخر ، ولكن الذي حلم به هو الملك نفسه ، فما شأن الملك بالبقر وبالسنابل إلا أن يكون مشغولا بأمر الزراعة في مصر كلها من حصاد وتربية ماشية إلخ . . .
ومصر بلد ترتبط الزراعة فيها بالنيل ، والنيل قد يفيض وقد لا يفيض ، وعهد المصريين به أن يفيض سبع سنوات متتاليات ، ثم لا يفيض سبع سنوات أخرى عجافا . ولا يمكن تفسير الحلم إلا بما فسّره به يوسف :
قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ ( 47 ) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ ( 48 ) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ
( 49 ) ( يوسف ) . وشبيه بهذا الحلم حلم فرعون موسى الذي تقصّه التوراة ، فقد رأى حلما فظع به وهاله : كأن نارا خرجت من الشام ثم أقبلت حتى انتهت إلى مصر فلم تدع شيئا إلّا أحرقته ، وأحرقت بيوت مصر كلها ومدائنها وحصونها . - فاستيقظ الفرعون من نومه فزعا فجمع لها ملأ عظيما من قومه فقصّها عليهم ، فقالوا له : لئن صدقت رؤياك ليخرجن من الشام رجل من ولد يعقوب يكون هلاك مصر وهلاك أهلها على يديه ، وهلاكك أيها الملك . وتقول الميثولوجيا اليهودية : فعند ذلك أمر فرعون بذبح الصبيان حتى أظهر اللّه تأويل رؤياه ، ولم تغن عنه حيلته شيئا ، وربّى موسى في حجره ، ثم أهلكه على يديه . - والحلم واضح أنه من وضع الأحبار ، أو أنهم قد زادوا فيه ، لأن حكاية أن محدث الفتنة من ولد يعقوب ، وعلى يديه يكون هلاك مصر ، ملفقة ولا تأتى في تفاصيل الحلم . وموسى ولد بمصر ، وعاش بها قومه مدة ربما تزيد على الأربعمائة سنة أو تقل عن ذلك ، حتى اندثرت قوميتهم ، وصارت لهم عادات ولغة المصريين . ويقول فرويد - وهو يهودي - في كتابه « موسى والتوحيد » : ( ترجمة الدكتور الحفنى ) أن العىّ بلسان موسى كان عجزه عن التحدّث