تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 1769

مساهمون:

ص١٧٦٩
الحلم في علم النفس الإسلامي يقال له أحيانا « علم تعبير الرؤيا » ، و « أهل العبارة أو التعبير » يأوّلون لفظتي القيد والغل تأويلات شتّى ، فيقولون : إذا رأى القيد في رجليه وهو في مشهد خير كالمسجد مثلا ، أو على حال حسنة عموما ، فهو دليل ثباته على هذه الحال الحسنة . ولو رآه مريض ، أو مسجون ، أو مسافر ، أو مكروب ، كان دليلا على ثباته على حال المرض ، أو السجن ، أو السفر ، أو الكرب إلخ . وقالوا : ولو قارن القيد مكروه ، بأن يكون مع القيد غلّ ، غلب المكروه ، لأن الغلّ أداة تعذيب يختص به المعذّبون . والغلّ مذموم إذا كان في العنق ، فإذا كان في اليدين فهو كفّهما عن الشرّ وهو حسن . وهكذا في كل رموز الأحلام . وفي القرآن عن يوسف عليه السلام :
إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ
( 4 ) ( يوسف ) ، والكواكب والشمس والقمر في الحلم رموز ، والرمزية في حلم يوسف هي لغة بسيطة وعالمية ، وهي لغة الفطرة ، واللغة التي تناسب العقل الباطن ، وهو العقل البدائي أو الفطري في الإنسان . ومدارس التفسير للأحلام مدرستان ، واحدة تقول بالتفسير المادي للرمز ، فالرمز له معنى ثابت كرمز الثعبان مثلا للتشابه بين الثعبان والشرير ، فنرى الشرير في الحلم في شكل ثعبان ؛ ومدرسة تقول بالتفسير الوظيفى للحلم ، بأن لا نرى مشابهة بين الشمس والأب ، والقمر والأم كما في حلم يوسف ، ولكن الشمس والقمر والكواكب في الحلم لمعنى وظيفى ، فالأب وظيفته التنوير ، كما أن الشمس وظيفتها التنوير ، والمشابهة بين الأم والقمر ربما في الجمال ، وربما لملازمة القمر للشمس واعتماده عليها كاعتماد الأم على الأب في الحياة . والقرآن في أحلام يوسف التزم التفسير الوظيفى ، وعلم التأويل أو تعبير الرؤيا الإسلامي هو علم يؤسس للمدرسة الوظيفية للأحلام ، ورمز القمر في حلم يوسف يجمع في نفسه عددا من الصور عن المرموز ، فالقمر مثلا ينتظم به للمرأة الطمث والحمل والولادة ، ودورة الحيض والولادة دورة قمرية تحسب بالشهور القمرية . والمرأة إذا اكتمل حملها نعرفه باستدارة بطنها كالقمر إذا اكتمل . والقمر كالمرأة أوهن من الشمس كالرجل ، والشمس تصور الذكورة من حيث قوتها وعنفها وثبات عواطفها ورسوخها ، بينما القمر قد تصور به عواطف الأنثى من حيث سرعة تغييرها . والقمر يبدأ وليدا ضعيفا كالحب ، ويكبر إلى أن يصبح بدرا ، وكل ذلك في الشهر يعود بعده إلى الأفول ، وما أسرع ما تتقلب المرأة في عواطفها وكأنها القمر ، بل ما أسرع ما يتغير جمالها كالقمر فيصيبه الأفول والاضمحلال إلخ . ونلاحظ أن حلم يوسف كان ويوسف طفلا بعد ، والأطفال يحلمون كما يحلم الكبار ، وينفّس الأطفال عن أنفسهم ما يعانون ويكابدون ، ويصبّون في الأحلام آمالهم ومخاوفهم ، وتعكس الأحلام إحباطاتهم